وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ . . .
( 73 ) [ التوبة ] ومثل قوله تعالى :
سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ . . .
( 16 ) [ الفتح ] وقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ
( 123 ) [ التوبة ] ففي هذه الآية تصريح بالقتال والغلظة مع الكفار ، وفي بعضها جعلت غاية القتال أن يسلموا ، ولقد ورد أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال لرجل : « أسلم » قال إني أجدني كارها ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : « وإن كنت كارها » « 1 » .
والحق أن حكم هذه الآية
لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ
ماض إلى يوم القيامة ؛ لأنها تؤيد حقيقة ثابتة ، وتزكيها آيات أخرى ، وأحاديث للنبي صلى اللّه عليه وسلم ؛ فإن الله سبحانه وتعالى يقول :
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ
( 99 ) [ يونس ] .
وإن الباعث على القتال كما تصرح آيات القتال هو دفع الاعتداء ، فقد قال تعالى :
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ
( 39 ) [ الحج ] وقال تعالى :
وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا . . .
( 190 ) [ البقرة ] وجعل سبحانه وتعالى نهاية القتال أن تنته الفتنة في الدين ، والإكراه عليه ؛ فقد قال تعالى :
وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ
( 193 ) [ البقرة ] وهكذا فليس القتال في الإسلام للإكراه على الدين لأن الدين اختيار ورضا ، ولا اختيار أو رضا مع الإكراه ، والآيات الواردة بالأمر بالجهاد كلها محمولة على حال الاعتداء ، أو التحفز للاعتداء ، فلا يسوغ لمؤمن أن ينتظر حتى يغزى ؛ فإنه ما غزى قوم في عقر دارهم إلا ذلوا .
وحياة النبي صلى اللّه عليه وسلم في مكة والمدينة تنبئ عن منع الإكراه في الدين ؛ فقد كان صلى اللّه عليه وسلم في مكة هو ومن معه من المؤمنين في اضطهاد ومحاولة لفتن الضعفاء منهم عن دينهم ، وحملهم على تغيير اعتقادهم وأنزلوا بهم من الأذى والعذاب ما لا تحتمله النفس البشرية حتى اضطر بعضهم إلى النطق بكلمة الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان ؛
هامش
( 1 ) رواه أحمد في مسنده ( 11618 ) .