تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 952

مساهمون:

ص٩٥٢
والظلمات جمع ظلمة ، والمراد بها هنا الضلالة ؛ ففي الكلام مجاز ؛ لأن المفاسد التي ينشرها الطغيان تظلم بها النفس وتكون في حيرة ، وتنقطع عن سبيل الهداية ؛ والنور هو الهدى ؛ لأن الهدى يكشف عن ينابيع الحق والخير في النفس ، وهو سلوك الطريق الموصل إلى ما يسعد الإنسان في الفانية والباقية فهو كالمصباح للمؤمن به يهتدى ، وبه يصل إلى الغاية . والمعنى للجملة السامية : الله سبحانه جل جلاله الذي ليس فوقه شئ وهو القاهر فوق كل شئ هو ولى الذين آمنوا أي ناصرهم يأخذ بأيديهم من ضلالات الشرك والأوهام والشهوات ، والذلة والاستعباد ، إلى نور الحق والهداية والتحرر من الأوهام ومن الذلة ، والاستقامة نحو العزة . فهذه الجملة تتضمن ثلاثة أمور : أولها : نصرة الله القوى القادر ، فلا يصح لمؤمن أن يضعف أمام جبروت الملوك الطغاة أو الجبابرة العتاة ، أو الكبراء المضلين . وثانيها : أن الله سبحانه وتعالى هو المسيطر على النفوس يوجه القلوب المؤمنة إلى الحق فيلوح لها نوره ، وتشرق فيها حججه . وثالثها : أن الذين يفيض الله عليهم بهذا النور ويؤيدهم بنصره هم الذين ارتضوا الحق بإرادتهم المختارة ، ورفضوا طغيان الكبراء والجبابرة ، وقاوموا نزغات الشيطان ؛ فإن هؤلاء هم الذين ينصرهم رب العالمين ، ويهديهم بنوره .
وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ
المؤمنون يوجه قلوبهم رب العالمين ، وينصرهم بقدرته ، ويعتزون بعزته ، وهو رب العزة ، له الكبرياء في السماوات وفي الأرض ، وهو العلي العظيم ؛ أما الذين كفروا فالطاغوت أي الطغيان بكل أنواعه من جبابرة متحكمين ، وكبراء مضلين ، وأوهام مستحكمة ، وضلالات مسيطرة ، هو الذي ينصرهم ويسيطر على قلوبهم ؛ والسبب في ذلك أنهم جعلوا الكفر وستر الفطرة هو الذي يتحكم في قلوبهم ، فهم اختاروا تلك الأوهام المضلة ، وولاية الجبابرة المذلة ، واتباع الكبراء المردى ، ففتحوا بسبب ذلك قلوبهم للضلالة تدخل فيها جزءا جزءا حتى أظلمت وبعدت عن نور الفطرة ، وغلقت عليها
زهرة التفاسير — صفحة 952 | محمد أبو زهرة