تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 946

مساهمون:

ص٩٤٦
يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ . . .
( 60 ) [ النساء ] وقد يكون جمعا ، قال الله تعالى :
أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ . . .
( 257 ) [ البقرة ] . وما المراد بالطاغوت هنا ؟ الظاهر أن الطاغوت هو كل طغيان يطغى على النفس أو العقل أو الجماعة ، فيتسلط عليه ، ويمنعهم من اتباع الحق من زعماء يقودونها إلى الضلال ، أو ملوك يسوقونها إلى الباطل سوقا ؛ ولعل أظهر معاني الطاغوت أن يفسر بالملوك المتحكمين والكبراء المتجبرين الذين يفتنون الناس عن دين الحق ، ويكرهونهم على اعتناق الباطل . وقد سوغ لنا استظهار ذلك ما جاء من نفى الإكراه في الدين سابقا لهذه الجملة السامية ، وما سيق بعد ذلك من قصة ملك متجبر يريد أن يتحكم في عقائد الناس وأهوائهم ، فإن ذلك يومئ لنا أن نفهم من كلمة الطاغوت بأنه الحاكم المتجبر ، أو الكبير المسيطر ، أو الملك القاهر بالباطل ، ويكون المعنى : فمن يكفر بالطاغوت ، أي يزيل سلطان المتجبرين عن نفسه ، ويمنع تحكم المسيطرين على قلبه ، ويحرر عقله من أوهام الطغيان ، ويؤمن بالله ، فقد استمسك بالعروة الوثقى ، . أي اعتمد على جانب قوى ، وعماد على لا يهن من اعتمد عليه ، ولا يسقط من ركن إليه ، وفي ذلك إشارة إلى أمرين : أحدهما : أن لا يحجب النفوس عن الإيمان بالله إلا طغيان المتجبرين عليها ، وسيطرة أوهام الكبراء ، فمن تحرر من ربقة الطاغوت تتكشف له الحقيقة العالية فيؤمن بها ، ويدركها ، ويعتصم بالله سبحانه وتعالى . ثانيهما : إرشاد ضعفاء النفوس ومن أصاب الخور عزائمهم وأماتت الأوهام ثقتهم بأنفسهم أنهم إن رفضوا سلطان الطغاة ، وحاجزوا بينهم وبين قلوبهم ، فقد أمنوا ، ولن يصيبهم ضير إن آمنوا ؛ لأنهم آووا إلى ركن شديد ، وإلى معتصم حصين ، فلن تضيرهم مخالفة الملوك وغيرهم ؛ لأن سلطانهم وهمى ، وسلطان الله حقيقي ، وقوتهم فانية ، وقوة الله أزلية باقية ، فمن آمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها .