تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 948

مساهمون:

ص٩٤٨
الظلام ، وبعد ذلك يكون الأمر لله تعالى ، ولقد ذيل سبحانه الآية بقوله تعالى :
وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
وفي هذا إشارة إلى أمرين جليلين : أولهما : رقابة الله سبحانه وتعالى في الدنيا رقابة العليم الخبير ، فهو يعلم علم من يسمع همسات القلوب ، وخلجات الأنفس ، وهو وحده المتصف بالعلم المطلق الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، ولا في الأنفس ؛ وإذا كان المؤمن يحس برقابة الله تعالى المطلقة فإنه يتجافى عن المعاصي ، ويبتعد عنها استحياء من الله ، فقوة الإحساس بعلم الله ترهف وجدان المؤمن وهذا مقام الإحسان كما في الحديث الشريف « اعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك » « 1 » . الأمر الثاني : التنبيه إلى ما يترتب على العلم من الرضوان والثواب المقيم الدائم لمن أطاع الله وطلب رضاه ، والعذاب الأليم وغضب الله لمن عصاه سبحانه . هذه الآية الكريمة واضحة كما قررنا في حقيقتين ثابتتين : إحداهما : أن التدين لا يكون مع الإكراه ؛ لأن الإكراه ينافي الاختيار الحر ، والتدين طلب الحق والأخذ به في حرية واختيار لا تشوبهما شائبة . الحقيقة الثانية : أن الله سبحانه وتعالى ينهى عن الإكراه في الدين ، وحمل الناس عليه بقوة السيف حتى لا يكثر النفاق والمنافقون . وكثرة المنافقين ، وإن كثر عدد المسلمين في الظاهر ، تفسد جماعتهم في الحقيقة والواقع . ولكن مع هذا الحق السائغ ، والنور المبين ، وجدنا الكثيرين يدّعون أن هذه الآية منسوخة ، وادعوا أن الذي نسخها قوله تعالى في آيات كثيرة من آيات الجهاد ما يدل على القتال ، حتى يكون الإسلام مثل قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ
هامش
( 1 ) جزء من حديث جبريل الشهير ، متفق عليه ؛ من رواية البخاري ( 48 ) ، ومسلم ( 10 ) : كتاب الإيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه .