تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 950

مساهمون:

ص٩٥٠
ولما انتقل إلى المدينة لم يحارب أحدا إلا بعد أن شنوا عليه الغارة ، أو استعدوا لها ، وألبوا عليه ، وكان على ذلك إلى أن انتقل إلى الرفيق الأعلى . وإن حديث النبي صلى اللّه عليه وسلم الذي قال فيه لرجل : « أسلم وإن كنت كارها » لا يدل على جواز الإكراه في الدين ؛ لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم ما أكرهه بالسيف أو بالأذى على أن يسلم ، بل إن الرجل بدت له البينات الواضحات ، والحجج النيرات ، ومع ذلك كان مأخوذا بما ألف ، كارها بعاطفته لأن يغير ما كان عليه آباؤه ؛ فالنبي صلى اللّه عليه وسلم يوصيه بأن يتغلب على إحساسه ويتبع البرهان والدليل ؛ وكثير من الناس يبدو له وجه الحق واضحا ، وتلوح له بيناته باهرة ، ومع ذلك يكره السير في هذا النور ، اتباعا لما كان معروفا ، وسيرا وراء ما كان مألوفا ؛ فمثل هذا عليه أن يتبع الحق ولو كان كارها ، وأن يستولى على نفسه فيحملها على اتباع الحق ولو كرهته ؛ والطاعات قد تثقل على النفوس ، ولكن يجب اتباعها ؛ ولذا قال صلى اللّه عليه وسلم « حفت الجنة بالمكاره » « 1 » فحديث النبي صلى اللّه عليه وسلم لهذا الرجل من هذا الباب . بعد هذا البيان نكرر ما قررنا وهو أن هذه الآية محكمة غير منسوخة ، وخصوصا أن ادعاء النسخ لا دليل عليه ، وإن النسخ لا يصار إليه إلا إذا لم يمكن التوفيق بين الآيتين ، فلو أمكن التوفيق ولو بتخصيص إحدى الآيتين لوجب السير إلى التخصيص دون النسخ ؛ وإن التوفيق هنا ممكن بين آيات القتال وهذه الآية ، بل إن شئت الحق فقل إنه لا تعارض حتى تكون محاولة التوفيق ، فما كان القتال لحمل الناس على الإسلام ، بل كان القتال لدفع الاعتداء أولا ، ولكي يخلو الوجه للدعوة الإسلامية ثانيا ، ولتكون كلمة الحق هي العليا ثالثا ، والناس في كل الأحوال أحرار فيما يعتقدون وما يؤمنون به
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ . . .
( 56 ) [ القصص ] . ولقد روى في سبب نزول هذه الآية :
لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ
أن رجلا من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له الحصين ، كان له ابنان نصرانيان ، وكان هو
هامش
( 1 ) متفق عليه ؛ رواه البخاري : الرقاق ( 6006 ) ، ومسلم : الجنة وصفة نعيمها ( 5049 ) .
زهرة التفاسير — صفحة 950 | محمد أبو زهرة