تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 936

مساهمون:

ص٩٣٦
والجملة السامية تفيد الملكية المطلقة لرب العالمين ، فيملك ما فيها من حي وجماد ، ومن ناطقين وغير ناطقين ، والجميع في قبضة العليم الخبير . وتقديم الجار والمجرور وهو « له » لإفادة القصر ، أي ملك السماوات والأرض له سبحانه ، فليس لأحد سواه ، فهو المنفرد بالسلطان فيها ، والملكية لها ؛ فهذا القصر يدل على الوحدانية في الخلق والتكوين ، كما يدل قوله تعالى :
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ . . .
( 163 ) [ البقرة ] على الوحدانية في العبادة .
مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ
الاستفهام في هذه الآية إنكاري بمعنى النفي ، أي لا أحد يشفع عنده إلا بإذنه ؛ وسيق النفي بطريق الاستفهام للإشارة إلى استحالة ذلك كأنه قد سئل وبحث عن نظير تكون له قدرة الخالق البارئ حتى يكون شفيعا عنده قريبا منه يؤثر في إرادته ، فلم يوجد ؛ لأن ذلك مستحيل استحالة مطلقة . والشفيع يكون بمعنى النصير للمشفوع لأجله ، المعاضد له ، ويكون في مرتبة المشفوع عنده أو قريبا منه ؛ لأنه يؤثر في إرادته ، ويحوله من نظر إلى نظر ، وله معه أو عنده سلطان أو شركة في أمره ؛ وإن ذلك مستحيل على الله سبحانه وتعالى ، فلا نظير له سبحانه ؛ إنه القادر فعال لما يريد ، فلا إرادة لأحد بجوار إرادته سبحانه ، إنما الإرادة له وحده ؛ ولذلك كان أكثر العلماء على أن هذه الجملة السامية سيقت لبيان عموم سلطانه ، وأنه قد انفرد بالتدبير ، فلا إرادة لأحد في سلطانه غير إرادته . ولقد قال البيضاوي ، وهو من أئمة أهل السنة ، في تفسير قوله تعالى :
مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ
« بيان لكبرياء شأنه ، وأنه لا أحد يساويه أو يدانيه ، يستقل بأن يدفع ما يريده شفاعة واستكانة ، فضلا عن أن يعاوقه عنادا أو مناصبة أي مخاصمة » . وإنه من كمال سلطانه وشمول إرادته أنه لا إرادة لأحد إلا مشتقة من إرادته ؛ ولذا كان الاستثناء في قوله تعالى :
إِلَّا بِإِذْنِهِ
أي أنه لا يكون لأحد إرادة إلا إذا كانت مستمدة من إذنه ؛ فهو المسيطر على كل شيء ، يعطى من يشاء ويمنع من