تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 935

مساهمون:

ص٩٣٥
ذلك على الله سبحانه وتعالى القوى القادر القاهر لكل شئ ، فكان ذلك الترتيب الطبيعي فيه إشارة إلى دليل مانع من أن يوصف المولى العلى القدير بهما . وفي التعبير بقوله سبحانه :
لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ
إشارة أخرى إلى استحالة قيامهما بالذات العلية فقوله :
لا تَأْخُذُهُ
فيها دلالة على القوة القاهرة للنوم ، وأنها تأخذ الحىّ أخذا ، وتقهره قهرا ؛ وذلك مستحيل أن يكون للقاهر فوق عباده . والنوم معروف ، وهو حقيقة ترى ، كما يرى الضوء ، وكما تحس الحرارة ، ولكن ما سببه ؟ وقد اتفق المتقدمون والمتأخرون على أن سببه التعب الجسمي ، وإن كانت عباراتهم مختلفة في تأثير التعب على الجسم حتى يكون منه النوم ، فيقول البيضاوي في تفسيره : « النوم حال يعرض للحيوان من استرخاء أعصاب الدماغ من رطوبات الأبخرة المتصاعدة ، بحيث تقف الحواس الظاهرة عن الإحساس رأسا » . وقال علماء العصر : ( إن النوم وقوف سلطان المخ على الأعضاء بسبب ما تولده الحركة من السموم الغازية المؤثرة في العصب ) . وقيل بسبب ما تفرزه الحويصلات العصبية من الماء الكثير وقت العمل ، فكثرة هذا الماء تضعف قوة تأثير المخ في العضلات ، فيحدث الفتور ، فيكون النوم ، ويستمر ذلك إلى أن يتبخر ذلك الماء ، وعند ذلك تتنبه الأعصاب ويرجع إليها تأثرها وإدراكها » .
لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
في هذه الجملة السامية إثبات كمال سلطانه سبحانه ، وتمام سيطرته على الكون ؛ لأنه ملكه ، ولا مالك فيه غيره . وذكر السماوات بالجمع ، للإشارة إلى ملكية كل دقائقها ، وكل نواميسها وسننها ، فهو الذي يغير فيها ويبدل ، وهو الذي أوجدها على ذلك النسق البديع المحكم الذي ربط أجزاءها بأواصر قوية . وكان إفراد الأرض مع جمع السماوات للإشارة إلى وحدتها في الجملة بالنسبة لعالم السماوات ، وإن كانت الأرض طبقات ؛ وللإشارة إلى أن ما في الأرض ليس إلا مظهرا من حركات السماء ، وأن الأرض شئ صغير بجوار السماوات وما فيها .