وأصل اشتقاق قيوم من قام يقوم قياما ، ووزن قيوم فيعول ، أصلها قيووم ، اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء .
لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ
هذا وصف سلبى يؤكد الوصف الإيجابى السابق ؛ فإن قيامه سبحانه وتعالى على الكون وكلاءته له يقتضى ألا تأخذه سنة ولا نوم ؛ لأن الحركة المستمرة للعالم ، والبنيان الذي ارتبطت به أجزاؤه يقتضيان ألا تعرض غفلة للقائم عليه :
إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ . . .
( 41 ) [ فاطر ] . ولأن السّنة والنوم من أعراض الجسم الحيواني ، سواء أكان ناطقا أم كان غير ناطق ، والله سبحانه وتعالى منزه عن مشابهة الحوادث ، وليس سبحانه وتعالى جسما ، وليست له أعراض أي جسم . والسّنة هي النعاس ، وهو ما يسبق النوم من فتور ، وقيل إن السّنة أسبق من النعاس ؛ وذلك أنه تحدث ثلاث مراتب عند وجود أسباب النوم : أن يحسّ الشخص بفتور ويبتدئ يفقد سيطرته على أعضائه ، ثم يجئ النعاس ، فتتراخى العين ، وتبتدئ الأعضاء كلها في التراخي ؛ ثم يحصل النوم ، وبه يفقد الشخص وعيه ؛ ولذا قال المفضل : « السّنة ، من الرأس ، والنعاس في العين ، والنوم في القلب » والسّنة أصلها وسنة ، حذفت الواو ثم كسرت السين ليمكن الابتداء بها ؛ ففعلها وسن . وقد قال عدى بن الرّقاع :
وسنان أقصده النّعاس فرنّقت * في عينه سنة وليس بنائم
ولقد كان مقتضى النسق أن ينفى عنه سبحانه النوم ، ثم ينفى السّنة ؛ لأن نفى النوم لا يقتضى نفى السّنة ، وعلى العكس نفى السّنة يقتضى نفى النوم .
ولكن عدل عن ذلك ؛ بنفي السّنة ثم نفى النوم لمعنى بلاغى ؛ ذلك أن الترتيب الطبيعي لهذه الحقائق في الوجود أن السّنة تسبق النوم ، وإن ذلك الترتيب الطبيعي يعطى للقارئ صورة حية للتالي لكتاب الله تعالى ، إذ يتصور الذين يعرض لهم النوم كيف يبتدئ بالسنة ثم النعاس ثم النوم ؛ وإذا تصور ذلك المنظر الطبيعي تصور معه الضعف الإنسانى أمام سلطان النوم بمقدماته ؛ وإذا تصور ذلك تبينت له استحالة