تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 923

مساهمون:

ص٩٢٣
ويهود ماديين ، ولم يؤذن له في القتال ، حتى يتولى حماية نفسه بسيفه وسيوف أنصار الحق معه ، كالشأن بالنسبة لموسى وداود وسليمان ، ومحمد صلى اللّه عليه وسلم ، فكان يتولى حمايته رب العالمين بملائكته الأطهار والأمين جبريل يعاونه ، ولعله هو الذي أنقذه من بني إسرائيل وقد بسطوا أيديهم لقتله ، وأغروا به الرومان ليقتلوه ، فرفعه الله سبحانه وتعالى إليه .
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ
أرسل الله سبحانه وتعالى رسله ، وخص كل رسول بمعجزات قاطعة من شأنها أن تهدى إلى الصراط المستقيم إن استقامت الفطرة ، ولم تنحرف العقول ، ولم يطمس على القلوب ؛ ولكن الدليل وحده لا يهدى ، بل لا بد من نفوس متقبلة ، واتجاه لطلب الحق اتجاها مستقيما ؛ ولذلك لم يكن الناس متفقين في تلقى ما جاء به الرسل بل كان منهم من غلبت عليه شقوته ، فحارب الحق وحارب النبيين معه ، ومنهم من آمن واهتدى ، فكانت المغالبة بين الحق والباطل ، والهداية والضلالة ؛ وكان الاقتتال بين أنصار الحق ، وأنصار الباطل ، وبين الضالين والمهتدين ؛ لا يترك الضالون الحقّ يسير في مجراه ، ويصل في القلوب إلى منتهاه ، بل يقاومونه ، وينزلون الأذى بأهله . وهنا يتساءل العقل البشرى : لما ذا لم يكن الناس جميعا على شرع سواء ؟ ولما ذا لم يكن الناس جميعا على الهداية ؟ فبين سبحانه وتعالى أن تلك مشيئته ، وهذا هو التكوين الذي كون الخلق عليه ؛ ولذا قال سبحانه وتعالى :
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ ،
أي لو شاء ألا يقتتل الذين جاءوا من بعد الرسل ما اقتتلوا ، فالمفعول للفعل شاء محذوف دل عليه جواب الشرط ؛ والمعنى أن الذين جاءوا من بعد الرسل بعد أن بين لهم الرسل المحجة الواضحة البيضاء التي لا يضل فيها سالك ، قد اقتتلوا حولها ما بين مؤيد لها ، ومعاند كافر بها ؛ ولو شاء الله سبحانه ألا يكون في كل نفس استعداد للطاعة ، واستعداد للعصيان ، ونزوع إلى الشر ، واتجاه إلى الخير ، كما قال تعالى في تكوين الإنسان :
وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ
( 10 )