بصيرا يرى بواطن الأمور ويتغلغل في أعماقها ، وإرادة محكمة تجعل العمل يتلاقى مع الفكر الصحيح والإدراك السليم ، فلا يكون سلطان يعارض دواعي العقل ، وأحكام الفكر السليم ، فليس بحكيم من يبادر بالحكم على الأشياء من غير دراسة عميقة مستقصية وليس بحكيم من يكون عمله على غير ما تقتضيه قواعد الفكر المستقيم .
ولقد ذكر سبحانه أنه علّم داود مما يشاء أي علّمه علما كثيرا واسعا مما شاء أن يعلمه . فقوله تعالى :
مِمَّا يَشاءُ
يشير إلى سعة العلم ، وأنه كثير متشعب لا تحده إلا مشيئة الله وإرادته .
فعلّمه سبحانه سياسة الملك ، وأحوال الناس ، ومنازع النفوس ، وأحوال البلدان وما تنتجه من خيرات ، وغير ذلك ، وكان تعليم الله سبحانه وتعالى له بالنبوة التي أفاضها سبحانه وتعالى عليه ، والتجارب التي ساقها الله إليه ، والذخيرة التي بين يديها من أحوال الحاكمين السابقين ، والهداة المرشدين ، وما أوتيه من علم التوراة ، والأخبار الصحاح عن النبيين السابقين ، وفي كل ذلك هداية وإرشاد إلى أقوم مناهج الحكم الصحيح .
تلك هي عناصر الحكم الصالح ، لا بد أن يكون الحاكم قويا في جسمه ، بحيث لا يخذل جسمه إرادته ، فكثيرا ما يكون ضعف الإرادة من ضعف الجسم ، وضعف التدبير من تخاذل القوى البدنية عن الاحتمال ، ولكن قد تكون الإرادة القوية والعزيمة الماضية في جسم ضعيف ، وفي هذه الحال قد يستغنى عن ذلك العنصر إن لم يوجد شخص تتوافر فيه قوة النفس وقوة الجسم معا ، فالاعتبار الأول لقوة النفس ، وقوة الجسم خادمة لقوة النفس وليست مقصودة لذاتها .
والعنصر الثاني هو الحكمة : وهي كما رأيت جعل العمل يسير مع العقل فلا تتحكم الأهواء والشهوات ، وآفة الحكم الصالح هوى الحاكم ، فإن غلبت رغبته عقله غلب الفساد حكمه ، فليختبر كل حاكم نفسه ، فإن رأى أهواءه هي المسيطرة فليعلم أن الشر قد استحكم ، وأنه أولى به ثم أولى أن يعتزل وإن وجد عقله هو المسيطر فليعلم أن الله أجرى عليه التوفيق .