تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 908

مساهمون:

ص٩٠٨
منهم جندا طائعين له يسيرون مع رغبته في السلطان والقهر والغلب بالحق وبالباطل ، وكذلك الشأن دائما في أهل الباطل يجتمعون على رجل ويسيرون وراءه ، فليست لهم إرادة غير إرادته ، ولا روح جماعية تجعل لهم كيانا قائما بذاته ، مظهره قائدهم ، بل يكون الطاغية هو المسلط عليهم ، يملى إرادته على أحدهم ، ولا إرادة لأحد وراء إرادته ، فإذا قتل ذلك الطاغية أو قضى على سلطانه تفرق الجمع وذهبت الوحدة الرابطة ، وعملت السيوف في أقفيتهم . وكذلك كان أمر أعداء الله ، جمعهم جالوت تحت إمرته ، وفرض عليهم إرادته بحكم القهر ، أو بالاستهواء ، أو التبعية الشخصية ، فمكّن الله أولياءه منه ، حتى إذا قتل تفرق الجمع وولى الأدبار ، ولا يكون الأمر كذلك إذا كانت الجماعة تحس بالوحدة الجامعة التي تربط آحادها ، وقائدها مظهر توحد الإرادة وجمع الكلمة ، وليس موجد هذه الوحدة لتسخر لإرادته ؛ فإنه في هذه الحال إذا ذهب القائد ، قام مقامه من يماثله أو على الأقل يقاربه ؛ لأن الجماعة لها إرادة موحدة ، وليست خاضعة لإرادة مسلطة وهي الموجدة لقائدها ، وليس قائدها هو الموجد لإرادته ، والإرادة التي أقامته تقيم غيره مقامه إذا خلا مكانه . كان القاتل لجالوت رأس العدو هو داود ، وقد رشحته قوته الجسمية ، وإحكامه للقتال وعلمه وحكمته لأن يتولى الملك من بعد طالوت والملك الذي تولاه ليس هو الملك الوراثى الذي يؤول فيه السلطان إلى أحد من أسرة الملك السابق بالوراثة القانونية ؛ لأن داود لم يكن من أسرة طالوت ، وما رشحته للملك وراثة قانونية ، بل رشحه للملك انتخاب طبيعي ، وإرادة إلاهية آتته الحكم والنبوة ، فليس الملك الذي آل لداود هو الملك الوراثى ، بل السلطان الحكم ذلك الانتخاب . وقد ذكر سبحانه العناصر التي ترشح للسلطان وحكم الناس ، فكانت قوة الجسم ، والحكمة والعلم ؛ ولذا قال سبحانه بعد ذكر قتله لجالوت :
وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ
والحكمة هي وضع الأمور في مواضعها والتدبير المحكم على وفق العلم ، فالحكمة تقتضى صفتين ذاتيتين في الشخص : عقلا مدركا نافذا