تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 906

مساهمون:

ص٩٠٦
في أمرهم ، وشروا أنفسهم لربهم ؛ ولذلك اتجهوا إليه بعد أن أخذوا الأهبة ، فدعوه ضارعين بثلاث عبارات مفوضة تفيد إدراك أسباب النصر : أما الدعاة الأول فهو :
قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً
يقال أفرغ الإناء : صب ما فيه من ماء ، وأفرغ الدلو على نفسه : صب ما فيه من ماء على نفسه ، فمعنى أفرغ علينا : أفض علينا صبرا يعمنا في ظاهر جمعنا ، وفي خاصة نفوسنا . فالتعبير ب
« أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً »
فيه استعارة تمثيلية شبه فيه حالهم والله سبحانه وتعالى يفيض عليهم بالصبر يظهر في جماعتهم مجتمعة وفي الأفراد منفردين بحال الماء يفرغ على الجسم فيعبه كله ، يعم ظاهره ويتسرب إلى باطنه ، فيلقى في القلوب بردا وسلاما ، وهدوءا واطمئنانا . وصدروا الدعاء بالنداء « ربنا » أي خالقنا ومنشئنا ومربينا ومميتنا ، وفي ذلك إشعار بأنهم دعوا مجيبا ، وضرعوا إلى قادر غالب ، وإلى منشئ موجد ، فهو قادر على أن يأويهم بالصبر ، ويغنيهم به عن نقص العدد . وابتدءوا بالدعاء بالصبر ؛ لأن الصبر هو عدة القتال الأولى ، وهو ذخيرة المؤمنين وبه ضبط النفس فلا تفزع ، وبه يجتمع قلب الشجاع فلا يجزع . والانتصار في القتال بصبر ساعة ، والصبر عند اللقاء الأول هو الذي تتبدد به قوى العدو مهما تكاثرت ؛ ولذا قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إنما الصبر عند الصدمة الأولى » « 1 » . والدعاء الثاني الذي ضرعوا إلى ربهم فيه قولهم :
وَثَبِّتْ أَقْدامَنا ،
وهذا كناية عن أن يمنحهم سبحانه وتعالى الثبات في الزحف وعدم الفرار في النزال ، فمعنى :
وَثَبِّتْ أَقْدامَنا ،
أي ثبتنا ، ومكنا من عدونا ، ولا تمكن عدونا منا ، ولا تجعل للفرار سبيلا إلى قلوبنا ، فالتعبير بقوله :
وَثَبِّتْ أَقْدامَنا ،
تعبير بالجزء وإرادة الكل ؛ لأن الأقدام هي التي يكون بها الفرار ، فتثبيتها إبعاد للفرار بثبات أداته وعدم تحركها إلا إلى الأمام ، وأن الثبات مظهر الصبر ، وذريعة النصر بل مظهر القوة ،
هامش
( 1 ) رواه البخاري : ( 1203 ) : الجنائز - زيارة القبور ، ومسلم ( 1534 ) : الجنائز - الصبر عند الصدمة الأولى .