والعنصر الثالث الإحاطة التامة بمصالح الناس وأحوالهم : فإن الحكم عمل للمصلحة ، وليس سيطرة وتحكما ، ومن ظنه سيطرة وتحكما فهو ممن طمس الله بصيرته ، وغلبت عليه شهوته ، ثم غلبت عليه شقوته .
إن فرق ما بين الحكم الصالح وغير الصالح دقيق في معناه ، وإن كان الأثر كبيرا في مبناه ، فالحكم الصالح أساسه أن يكون الحكم لمصلحة المحكوم وإجابة لرغبته ، والحكم غير الصالح أساسه أن يكون الحكم تحكما في المحكوم ، فمن تحكم في الرعية ولو باسم مصلحتها ، فقد سلك سبيل الفساد ؛ لأن التحكم ينبعث من الرغبة في السيطرة ، ولو لبس لبوس المصلحة . والسيطرة تسلط ، والتسلط في ذاته فساد يؤدى لا محالة إلى فساد ، ويؤدى إلى موت الإرادات في الجماعة ، وفي ذلك إضعاف لقوتها .
وأما الحكم المنبعث من إرادة الجماعة الذي يقودها لمصلحتها ، فهو يؤدى إلى الصلاح لا محالة ، وإن تعثر في أخطاء أحيانا ؛ لأنه من الخطأ يتعلم الناس الصواب ، ومن الخط المعوج يعرف الخط المستقيم .
وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ
بيّن الله سبحانه وتعالى قصة بني إسرائيل ، وهي قصة يتجلى فيها استخذاء الضعفاء ، إن خافوا الموت ، وجهلوا أن البقاء على الذل هو حقيقة الفناء ، ثم بيّن كيف تتحفز بعض العزائم لرفع نير الظلم وكف يد الظالم ، ثم بين كيف يقوم في المغلوب عليهم نزاع بين دعاة التردد والهزيمة ودعاة الإقدام ، وكيف تخضع النفوس لخواطر الرغبة في العزة والإقدام على التغيير ، وإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ، ثم بين حال الجيوش القوية في وجوب توحد قيادتها تحت سلطان قائد قوى عالم مفكر مجرب ، وكيف تضعف العزائم عند الذين ألفوا الذل فيستنيمون إلى الراحة الذليلة ، بدل الشدة العزيزة ، ثم بين سبحانه كيف تغلب فئة قليلة مسلحة بالإيمان القوى والتصميم على طلب العزة ، مستعينة بالصبر ، معتمدة على الله جلت قدرته .