تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 907

مساهمون:

ص٩٠٧
وعنده تتحطم قوى العدو ، وتتفرق كلمته إذا لم يكن محاربا في سبيل حق ، بل كان يقيم الظلم ويؤيد الباطل . والدعاء الثالث ، وهو قولهم :
وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ
وإن إجابة هذا الدعاء هو تحقيق لثمرة الصبر والثبات ، وكان الدعاء بتحقيقه للإشارة إلى أن الأمور كلها بيد الله ، وإن أولئك المؤمنين الصابرين الثابتين كانوا يأخذون بالأسباب ، ثم يفوضون الأمور إلى الله مسبب الأسباب معتقدين أنه مهما يتحقق السبب ولا تكون المعونة الإلهية ، والتوفيق الرباني ، والتأييد من القوى الجبار - فلن يكون الانتصار ، وأن الجيش القوى مهما يكن عنده من صبر وثبات يجب أن يؤمن بأن النصر من عند الله العزيز الحكيم القوى الغالب على كل شئ . وقد رأينا في العصور الحديثة قادة عظاما يأخذون بالأسباب ثم ينهزمون ، مع أن تحت سلطانهم جنودا مدربين طائعين صابرين ولكنهم لم يقولوا : المستقبل بيد الله ، بل قالوا : المستقبل بأيدينا ، فكف الله أيديهم عن الناس ، وكانوا عبرة المعتبرين .
فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ
الفاء هنا للسببية ، أي أنه بسبب قوة عزائمهم ، وحسن صبرهم واتجاههم إلى ربهم ضارعين أن يلهمهم الصبر عند اللقاء ، والثبات عند الزحف ، والنصر في النهاية لأنه المالك لكل شئ ، بسبب كل هذا هزموهم بإذن الله ، أي بتوفيقه سبحانه وإرادته وهدايته ، وإمداده سبحانه بعونه بعد اتخاذهم الأسباب كلها . وأصل الهزم معناه الكسر ، وكثر استعماله في كسر الأعداء ، وتشتيت شملهم ، وذلك لأن العدو في هجومه يشبه الصخرة المنقضة في تجمعه وصلابته وحدة صدمته ، فإذا رد على أعقابه تكون حاله كالتكسر بعد الاجتماع والتقطع بعد الاتصال .
وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ
في هذا التعبير السامي ، بيان لسبب من أسباب الانتصار الدنيوي بعد أن وهبهم الانتصار اللدني ، ذلك أن طاغيتهم قد قتل ، وهو الذي كان يفرض أهواءه وشهواته عليهم فيجعل