بيّن سبحانه كل ذلك في عبارة جلية ، أو إشارة واضحة ، ثم بين سبحانه أن سنة الله في خلقه أن يدفع الخير والشر ، وأن تكون المدافعة بينهما مستمرة ، حتى لا تفسد الأرض ، فإنه إن غلب الشر كان الخراب والدمار .
إن الله سبحانه قد قدّر أن يبتلى الناس من يوم أن هبط آدم وحواء إلى الأرض ، فقد ابتلاهم بإبليس وإخوانه ، فكان النزاع بين الخير والشر والحق والباطل ، والظلم والعدل ، والله دائما يسخر للحق أنصارا يعملون لنصرته ، ويتخذون الأسباب والأهبة ، ثم يؤيدهم بنصره وتوفيقه فإن الأرض لا تخلو من قائم للحجة ظاهرا مشهورا ، أو مستورا مغمورا ، حتى لا تذهب بينات الله كما قال على رضي الله عنه .
ولذا قال سبحانه :
وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ
أي لولا دفع الله سبحانه بعض الناس الأشرار ببعض الناس الأخيار لفسدت الأرض ، لأنهم إن تركوا من غير أن يدافعوا عمّ الفساد وعمّ الدمار . وإن دفع الشر بالخير يكون في داخل الأمم وبين الآحاد ، وبين الأمم بعضها مع بعض ، فالأمة الواحدة يكون من آحادها الأخيار والأشرار ، ويدفع الله بعمل الأخيار وبال عمل الأشرار .
ودفع ذلك يكون بطرق مختلفة :
منها : أن يكون الشر في خفاء ، والخير في جلاء ، فيكون انزواء الشر دفعا له وفي ظهور الخير دعوة إليه ، وحثا عليه .
ومنها : أن يقل عدد الأشرار الظاهرين ويكثر عدد الأخيار البارزين فيدفع الله سبحانه بتلك الكثرة الظاهرة شر تلك القلة الفاجرة .
ومنها : أن عمل الأبرار في الأمة يصلح الله به ما أفسده الأشرار مهما يكن عدد هؤلاء ، ففي بعض الآثار عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إن الله يدفع العذاب - أي الدنيوي - بمن يصلى من أمتي عمن لا يصلى وبمن يزكى عمن لا يزكى ، وبمن يصوم عمن لا يصوم ، وبمن يحج عمن لا يحج وبمن يجاهد عمن لا يجاهد ، ولو اجتمعوا