تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 876

مساهمون:

ص٨٧٦
للأمر ، ولا ينصر بعد أخذ الأسباب إلا أهل الحق
وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ
( 40 ) [ الحج ] . وقد يقول قائل : إن الحكمة الإلهية قد اقتضت أن يكون كل عمل له نتائجه وثمراته ، فمن يعمل خيرا يجد ثمرة عمله ، ومن يجدّ يجد نتائج جدّه ؛ فالغنى والفقر ثمرتان للعمل والكسل ، فمن عمل واتخذ الأسباب وسار فيها نال الثمرة ، ومن كسل وأهمل ناله الفقر ولا يلومنّ إلا نفسه ، وقد تكرر في القرآن أن الله القابض الباسط ، وأنه الرازق ، وأنه يرزق من يشاء ، فكيف يوفق القارئ بين ذلك السنن الحكيم ، وبين ذلك القول الكريم ؟ ونقول في الجواب عن ذلك : إن على كل مؤمن أن يعمل ، وأن يجد ويجتهد ، وعليه فوق ذلك أن يعلم أن الله هو الرازق ، وأنه فوق كل شئ ، وأنه القابض الباسط ، وأنه الرزاق ذو القوة المتين ، ولكل موضعه ، وإن المستقرئ لشؤون الناس وأعمالهم في الحياة ونتائجها ينته به الاستقراء إلى أن الرزق لا يمكن أن يجئ ثمرة للعمل وحده ، بل إنه يجئ مع العمل توفيق الله ، ومصادفات قدرها العليم الخبير ، اللطيف البصير ؛ فاثنان يعملان عملا واحدا ، فيلقيان البذر بعد الحرث ، ومع البذر السماد ، والأرض طيبة منتجة ، والري متحد الزمان في كليهما ، ولكن زرع أحدهما قد يبتلى بآفة تستمكن منه فتبيده أو تكاد ، ولا تصيب زرع الآخر إلا قليلا ، فيكون في سعة والآخر قد قتر الله عليه في الرزق ؛ وقد تكون الثمرات متحدة في النتائج والمقدار ، ولكن أحدهما سارع بالبيع ، فصادف غلاء ، والثاني أخر في البيع فصادف كسادا ؛ وقد يبيع هذا لتاجر حسن الأداء مليء ، والثاني يبيع لآخر مثله ، ولكنه قبل الأداء يصاب في تجارته ؛ وهكذا ؛ فاتخاذ الأسباب أمر لا بد منه ؛ ولكن وراء الأسباب القدرة القاهرة التي هي فوق كل شئ ، وهي قدرة الله تعالى ، فاتحاد الأسباب لا يستدعى اتحاد المصادفات ولا اتحاد الفرص ؛ واتحاد الفرص المهنية لا يوجب اتحاد الثمرات والنتائج ؛ فقد تكون ثمة ملابسات لم تكن في الحسبان ، وما كان يستطيع تقديرها إنسان ، وإن تقدير الإنسان مهما يكن من قوة هو في دائرة القدرة الإنسانية ، وهي محدودة الأفق ، محدودة