تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 797

مساهمون:

ص٧٩٧
الأمر الثاني : الذي يترتب على الرجعة ضرارا ، هو أنه يظلم نفسه ، فكما أنه يترتب على ذلك الضرار اعتداء على غيره يكون فعله ظلما لنفسه ؛ ولذا قال سبحانه :
وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ
أي أن من يرجع مطلقته إضرارا أو ضرارا فقد ظلم نفسه ظلما مؤكدا ، وإذا كان قد أراد ظلمها فمن المؤكد أنه قد ناله حظ عظيم من الظلم قبل أن ينالها ؛ وذلك لأنه عصى ربه فاستحق عذابه ، ولأنه جعل البيت الذي هو مثابة الراحة والقرار مكان نكد واضطراب يستبدل فيه بالمودة البغضاء ؛ ولأنه لا يعيد إلى حظيرة الزوجية زوجا ودودا ، بل عدوا شديدا ، وأشد الأعداء من كان منك قريبا ، وقد يكون كالثعبان بين جنبيك ؛ وأي ظلم للنفس فوق هذا الظلم .
وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ
بعد أن نهى سبحانه وتعالى عن أن تتخذ الرجعة ضرارا ، أو يقدم الرجل عليها وهو يعلم أو يظن أنه لن يكون إمساك بمعروف ؛ أعقب ذلك بنهى آخر هو توكيد للنهي الأول ، فقال :
وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً
وذلك لأن الله سبحانه وتعالى رسم في آياته حدودا ونظما تتقرر بها الحياة الزوجية ، فشرع الرجعة لتدارك ما فاته وقت الغضب ، ولرجاء أن يستقيم الأمر ، وتقام الحياة الزوجية بالمعروف ، بعد أن تهددتها القطيعة ، وقاربت على الانفصال ؛ فمن اتخذ الرجعة للضرار ، أو وهو غير مستيقن صلاح الحال أو يرجو ذلك ، فهو كمن يستهزئ بأحكام الله ، وآياته سبحانه ؛ لأنه ينفذ الأوامر في غير موضعها ، ويكذب على نفسه وعلى دينه وعلى ربه ، فهو يعمل عمل من يريد الصلاح ولا يريده ، وعمل من يقيم الحياة الزوجية الصحيحة ولا يقيمها ، ثم هو في أعماله يشبه اللاعب الهازئ ، بل إنه لاعب هازئ في موضع الجد ، يطلق لأتفه الأسباب ، ويرجعها من غير أن ينوى الصلاح والعشرة بالمعروف ، فيطلق ثانيا عابثا ، ثم يرجعها عابثا ، ثم يطلق ، فيكون التحريم بسبب العبث والمجون .