وإن استعمال البلوغ بمعنى مشارفة الانتهاء مثاله في المكان أن تقول : بلغت المدينة . إذا وصلت إليها ، وصرت على مقربة منها بحيث صرت تشرف عليها ، وتبدو لك مطالعها .
ومعنى الجملة السامية : إذا شارفت العدة الانتهاء ، وقاربت العلاقة على الانقطاع التام وجب على الرجل أن يتدبر في أمره ، فينظر في ماضيه معها وحاضره ، وما يرجوه في المستقبل ويترقبه ؛ فإن رجح لديه أن البقاء أولى من القطع ، وأن ما كان سببا لكلمة الطلاق لا يصلح أن يكون سببا لقطع العلاقة قطعا باتا ، وأن يتفرقا ، وأنه إن أعاد الحياة أقام العدل معها ، ولم يكن فيها ما يدفعه إلى الظلم ، ولا في طباعه ما يدفع إلى الأذى ؛ إن كان ذلك كذلك فليمسكها بمعروف ، أي فليرجعها إليه معتزما إمساكها والبقاء معها بالمعروف ، أي بالتزام الأمر المعقول الذي تعرفه العقول وتقره ، ويرضاه الناس ، ويزكيه الحق سبحانه وتعالى .
وإن رجح لديه بعد أن ينظر في غابر أمره وحاضره أنه لا يرجو في المستقبل خيرا ، وتأكد لديه ذلك ، أو كان قريبا منه ، أو غلب الظن بذلك ، فليسرحها « 1 » بمعروف أي فليمض الطلاق ، ويخل بينه وبينها بمعروف ، أي بالأخلاق الحسنة من غير مشاحة ولا معاندة ولا إيذاء ، فإن ذلك هو الذي يعرفه العقلاء ، ويؤمن به الأتقياء ؛ ولقد كان الصالحون من أصحاب رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ومن جاء بعدهم لا يذكرون نساءهم اللائي يطلقونهن بسوء قط . سئل بعض التابعين : لم طلقت زوجك ؟ فقال : إن العاقل لا يذكر ما بينه وبين أهله .
وإن التسريح بالمعروف يتقاضى أن يؤدى لها كل حقوقها من مال كان عليه ، وألا يذكرها إلا بخير ، وأن يعاونها إن كانت في حاجة إلى معونته ؛ حتى لقد قرر
هامش
( 1 ) قال المصنف رحمه الله تعالى : حقق الراغب الأصفهاني معنى التسريح ، فقال : « السرح شجرة لها ثمرة ، الواحدة سرحة ، وسرحت الإبل أصله أن ترعيه السرح ثم جعل لكل إرسال في الرعى . قال تعالى :وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ( 6 ) [ النحل ] والتسريح الطلاق نحو قوله تعالى :. . . أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ . . .( 229 ) [ البقرة ] وقوله :. . . وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلًا( 49 ) [ الأحزاب ] مستعار من تسريح الإبل ، كالطلاق مستعار من إطلاق الإبل .