إقامة حدود الله أمر يتعلق بالمستقبل ، والمستقبل مغيب مستور غير معلوم ، وما كان لمؤمن ولا مؤمنة أن يجزم في أمر يتعلق بالمستقبل بأنه سيكون على ما يبغى وما يريد ، ولو كان يتعلق بقلبه ونيته ؛ فالله سبحانه مقلب القلوب ، وهو وحده علام الغيوب ؛ بل إن أقصى ما يستطيعه الزوجان في مثل هذا المقام أن يعتزما العشرة الحسنة ، ويطرحا أسباب الخلاف التي كانت منها الفرقة الجافية ، والتي هي أبغض الحلال إلى الله سبحانه وتعالى ، وهما مع ذلك يظنان أن في قدرتهما تنفيذ ما أرادا ، واجتناب ما كان منهما قبل تلك التجربة الشديدة .
وإنه لواضح كل الوضوح من أن الرجل إذا طلق امرأته مرة بعد مرة ، حتى أتم الثلاث ، يكون هو وهي في حاجة إلى علاج ؛ إذ إن العشرة بينهما صارت غير صالحة للبقاء ، وأنهما إن يتفرقا نهائيا يغن الله كلا من سعته ؛ فهو وهي يسيران في خطين متقاطعين ، لا يلتقيان إلا يصطدمان ، فيطلقها ، ثم يراجعها أو يعقد عليها ، حتى إذا التقيا تنابذا للمرة الثانية وتدابرا ، فيطلقها ثم يراجعها أو يعقد عليها ، حتى إذا استأنفا حياتهما الزوجية تكررت منهما المأساة ؛ إن ذلك هو الكفر في الإسلام ، وإن ذلك هو الظلم الذي يجب اجتثاثه من أصله ، وذلك بمنعهما من استئناف الحياة الزوجية فقد أثبتت التجربة المريرة أن الزوجية بينهما غير صالحة للبقاء ، إما لعيب فيه أو لعيب فيها أو لعيب فيهما ، وذلك هو غالب الأحوال ؛ لأن أحدهما لو كان خالصا من العيوب التي تتعلق بالحياة الزوجية لصبر على الثاني ، ولأصلح بصبره حاله ؛ ولسارت السفينة في جو هادئ لا يؤدى إلى الفصم والقطع .
وبعد تلك الفرقة المحرّمة قد يحدث أن تتزوج زوجا آخر ، وتعاشره معاشرة الأزواج على قصد أن تدوم العشرة بينهما ؛ ولكن بعد مدة طالت أو قصرت ينته هذا الزواج وتزول آثاره ، إما بموت الزوج وانتهاء عدة الوفاة ، وأو بتطليقه وانتهاء عدة الطلاق ، فيبدو لزوجها الأول أن يستأنف حياة زوجية وتبادله هذه الرغبة ؛ عندئذ ينهى رب العالمين التحريم الذي أوجده الطلاق المكمل للثلاث ؛ لأنه عسى أن يكون الزمان والتجربة ، وعشرة غيره قد صقلت نفوسهما وأصلحت قلوبهما ، ولطفت من حدة النفور منهما .
زهرة التفاسير — صفحة 786
مساهمون: محمد أبو زهرة
ص٧٨٦