وقد تعددت روايات الحديث بهذا المعنى ، فكان حديثا مستفيضا مشهورا ، وهو يخصص عموم القرآن الكريم ، بل هو في الحق تفسير لظاهره ، وليس بعد تفسير النبي صلى اللّه عليه وسلم لكتاب الله تفسير ؛ وعلى هذا انعقد الإجماع قبل سعيد بن المسيب ، وانعقد الإجماع بعده ؛ فقوله من شواذ الفتيا التي لا يلتفت إليها .
فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ
أي فإن طلق الزوج الثاني ، فلا جناح على المرأة وزوجها الأول أن يتراجعا ، أي لا إثم عليهما في أن يستأنفا حياة زوجية جديدة ؛ فالضمير في « عليهما » يعود إلى المرأة والزوج الأول ؛ لأن العلاقة بينهما هي مساق الآية الأول ؛ فقد بينت الآية التحريم بالطلقة الثالثة ، وأنه ينته بالزواج من الثاني والتطليق منه ، ثم صرحت هذه الجملة السامية بابتداء الحل بعد انتهائه ، وهو أنه يبتدئ بالطلاق من الثاني وزوال بقايا النكاح الثاني وآثاره بانتهاء العدة ؛ فهذه الجملة الكريمة توضيح لابتداء الحل ، كما كانت الأولى فيها بيان لابتداء التحريم وإشارة إلى انتهائه .
وعلى هذا سار أكثر المفسرين ، وكلامهم واضح بين ؛ ولكن اختار الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده رضي الله عنه أن يكون الضمير في « عليهما » في قوله تعالى :
فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا
يعود على الزوج الثاني والمرأة لا على الزوج الأول فهي كقوله تعالى :
وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً . . .
( 228 ) [ البقرة ] . فهي تدل على معنى جديد ، لم يتضمنه معنى الجملة التي سبقتها ، وهو بيان أن الزواج الثاني يكون ككل أنواع الزواج ، وله كل أحكامها وحدودها ؛ فلا يكون زواجا مؤقتا ، ولا لغرض مؤقت ، إنما يعقد للبقاء والدوام ويقصد فيه معنى الزواج كاملا غير منقوص ، وقد يتوهم بعض الناس أن الزوج الأول أحق بها ، فدفع ذلك بأن المراجعة في العدة حق ثابت للمطلق الثاني ، وهو أولى بمقتضى الحكم العام الذي جاء به النص الذي نوهنا عنه ، وهو قوله تعالى :
وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ . . .
( 228 ) [ البقرة ] .