وترى من هذا أن الزواج الذي ينهى التحريم هو الزواج غير المؤقت الذي لا يقصد به مجرد التحليل للأول ، بل الزواج الدائم المستمر ، أو الذي يكون على نية الدوام والاستمرار ؛ لأن الشارع الكريم جعل نهاية التحريم هو هذا الزواج والدخول فيه ثم الطلاق ؛ لتكون تلك التجربة الشديدة المريرة ، ولتصقل النفوس الرعناء المتمردة ؛ فإذا لم يكن العقد زواجا قصد به البقاء والدوام ، ما كانت تلك التجربة ، وما كان ذلك الغرض المقصود من الشارع الحكيم .
ولكن الناس ضيقوا على أمرهم ما وسع الله ، ثم أخذوا يفكون ما قيدوا أنفسهم به ؛ فطلقوا لأدنى ملابسة ، وطلقوا الطلقات الثلاث إما في مجلس واحد أو بلفظ واحد ، أو في دفعات متقاربة ، وقطعوا على أنفسهم الطريق ولم يفهموا قول الله تعالى :
لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً
( 1 ) [ الطلاق ] ثم بعد أن سدوا طريق الحلال ، وأخذوا يتحايلون لفتحه بمفاتيح من الحرام ، فأوجدوا ما سمى في عرف الناس والفقهاء « زواج المحلل » أي الزواج الذي لا يقصد به عاقده العشرة الزوجية الدائمة ، إنما يقصد به مجرد إحلالها للأول ؛ فهو في الواقع يتحايل على الأحكام الشرعية ليهدمها ، لقد جعل الشارع نهاية التحريم أن تنكح زوجا آخر زواجا شرعيا صحيحا يقصد به دوام العشرة ، ثم تجىء الفرقة عارضة لتكون تلك التجربة التي تهذب النفوس ، وتضبط الإرادة ، وتمنع الأهواء من الاندفاع ؛ ولكن يجئ الناس فيهدمون مقصد الشارع ويمنعون التهذيب الذي أراده ، فيكون ذلك العقد الذي ما قصد به الدوام ولا تتحقق به تجربة ، وإن كانت تسقط به المروءة ، وتنحرف النفس عن الجادة ، ويتحايلون على أوامر الله بذلك ليسقطوها ، ويخدعوا الله
وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ
( 9 ) [ البقرة ] .
ولقد ابتدأ ظهور ذلك النوع من الخداع الديني في صدر الإسلام ؛ ولذلك نهى عنه النبي صلى اللّه عليه وسلم وشدد في النهى ، وتضافرت بذلك الأخبار عنه وعن الصحابة ، وسماه استهزاء بكتاب الله ، ونقتبس من تلك الآثار النبوية قبسة تضيء للناس في عصرنا ، حتى لا يضلوا ، فيضيقوا على أنفسهم واسعا ، ثم يجتهدوا في فتح باب الإثم إذ ضيقوا الحلال ، ومن ذلك :