ثم فوق كل ذلك إن الذي يتفق مع معنى الجمع الذي هو في معنى القرء هو الحيض ؛ لأنه دليل الامتلاء والاجتماع الكامل ، فهو الفيض بعد أن امتلأ الإناء .
هذه حجج الحنفية والحنابلة الذين قرروا أن القرء هو الحيض في الآية : وأن العدة تقدر بالحيضات ، لا بالأطهار التي تتخللها .
أما الشافعية والمالكية ومن سلك مسلكهم ، فقد قالوا في الأحاديث السابقة إنها إن صحت تكون دليلا على أن الحيض تطلق عليه كلمة قرء ، ولا مشاحة في ذلك وليست دليلا على أنه المراد في الآية الكريمة ، وأما قول عمر إن عدة الأمة حيضتان ، فهو سير على رأيه في تفسير القرء بالحيضة ، ولا يدفع رأى صحابي برأي صحابي مثله بل يختار أقواهما ، والاستدلال بآية
وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ . . .
( 4 ) [ الطلاق ] لا ينتج ؛ لأن الأقراء إذا فسرت بالطهر لا تكون إلا لذات الحيض ، إذ هو فاصل بين حيضتين .
وقد استدل لهؤلاء الذين فسروا الأقراء بالأطهار بأدلة من الكتاب والسنة واللغة والرأي :
أما الكتاب والسنة فقوله تعالى :
فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ . . .
( 1 ) [ الطلاق ] وقد وردت السنة بأن الطلاق لا يكون في الحيض ، ولا يتصور أن يكون الطلاق في العدة مع نهى النبي صلى اللّه عليه وسلم عن الطلاق في الحيض إلا إذا فسرنا القرء بالطهر لا بالحيض .
وأما استدلالهم باللغة والرأي ، فلأن القرء معناه الجمع ، يتم في الطهر لا في الحيض ؛ لأن الحيض ، مؤداه أن يرخى الرحم فيخرج الدم ، فهو تفريغ لا جمع ، والجمع في الطهر .
ولأن القرء معناه في اللغة الانتقال ، فيكون المطلوب ثلاثة انتقالات ، وهي الانتقال من الطهر إلى الحيض ، ثم من الحيض إلى الطهر ، ثم من الطهر إلى الحيض وبه تتم العدة ، وذلك يقتضى أمرين :