وحشة ؛ ويغفر لهم سبحانه حنثهم في يمينهم ؛ لأن الله سبحانه لا يريد إلا إصلاح حالهم ، ولا ينقص من عظمته وجلاله أن يحنث عبد في قسمه ، ما دام الخير يريد والشرّ يجتنب ؛ والله سبحانه وتعالى رحيم بعباده في أن جعل لهم تحلة أيمانهم كفارة يستطيعونها وأن غفر لهم الحنث ، وأن دعاهم إلى ذلك الحنث رحمة بالأسرة من أن تتهدم أركانها ، وتتقطع أوصالها وتذهب المودة بين العشير وعشيره ، والأليف وأليفه ؛ ورحيم بهم في أن غفر لهم ما فرط من كل منهما في حق أخيه إذا أعادا المودة إلى سابق أمرها بعد أن كاد الهجر يقطعها .
وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
هذا هو الفرض القاسى الغليظ ، بعد الفرض الرحيم الرفيق ؛ وهذه هي العقوبة التي وضعها الشارع الحكيم ؛ أي أنهم إن أصروا طول الأشهر الأربعة ولم يرعووا عن غيهم ، فإن الطلاق واقع لا محالة بحكم الشارع وكان ذلك الاستمرار هو عزيمة الطلاق القاطعة ، وإرادته من الزوج حين صمم عليها ؛ لأن الشارع جعله عقوبة لفعله ، فمن لم يأت امرأته أربعة أشهر كاملة بيمين حلفها ، فإن طلاقها يقع ، وهو عقوبة ثابتة مقررة يعتبر الزوج قد اعتزمها وأصر عليها .
فهذه الآية الكريمة تفيد وقوع الطلاق عقوبة للزوج إن أصر على يمينه ولم يحنث فيها ، ولم يتحلل منها ويحسن عشرة أهله ؛ وهو في ذلك إنهاء لحال ظالمة للمرأة لا تقوم فيها حقوق الزوجية ، ولا هي حرة يختارها من يريد الزواج ، وهو منع للمرأة أن تتردى في مهاوى الرذيلة بسبب هذه المضارة ، بل يفتح لها الباب لتختار زوجا عادلا بدل هذا الظالم .
وقد يقول قائل : إن إيقاع الطلاق بحكم الشارع هو عقوبة ، فكيف تنسب عزيمة الطلاق إلى الزوج الذي حلف فعوقب بإيقاع الطلاق بغير إرادته ، ورغم أنفه ، مع أن من يعزم أمرا ويقطعه لا بد أن يكون مختارا حرا ، وأن يكون الفاعل للأمر ينسب إليه على وجه الجزم واليقين ؟
والجواب عن ذلك السؤال من وجهين :