تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 743

مساهمون:

ص٧٤٣
وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ
( 10 ) [ القلم ] ، ولأن المكثر من الحلف لا يكون ممن يصون يمينه فيبر بها ؛ ولذا قال تعالى :
وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ . . .
( 89 ) [ المائدة ] ومن لا يصون يمينه لا يبر بها بل يقع في الحنث الكثير وقد يكفر وربما لا يكفر ؛ ومن يعرض اليمين في القليل والكثير ، والعظيم والحقير من الأمور لا يكون متقيا لله ، ولمهانته لا يصلح بين الناس . ويصح - وهو الراجح - أن تكون العرضة بمعنى الحاجز المعترض ، ويكون المعنى على ذلك : لا تجعلوا الحلف بالله سبحانه وتعالى حاجزا ممانعا بينكم وبين فعل الخير ، فلا تحلفوا في أمر يكون الامتناع فيه امتناعا عن خير وتقوى وإصلاح بين الناس ؛ وذلك لأن الرجل كان يحلف على الامتناع عن بر غضبا على من يطلبه ؛ كما روى أن سيدنا أبا بكر حلف ألا يعطى ذا قرابة له عندما خاض في شأن ابنته عائشة في حديث الإفك عليها ، فنزل قوله تعالى :
وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
( 22 ) [ النور ] . وقد روى أيضا أن عبد الله بن رواحة كان بينه وبين ختنه ( زوج أخته ) النعمان ابن بشير شئ ، فحلف بالله ألا يدخل عليه ولا يكلمه ، ولا يصلح بينه وبين خصمه ، وإذا قيل له فيه قال : قد حلفت بالله ألا أفعل فلا يحل لي إلا أن تبر يميني ؛ فكانت الآية الكريمة ناهية عن ذلك فمن حلف على شئ فرأى خيرا منه ، فلا يصح أن يجعل الحلف بالله عرضة محاجزة دون فعل الخير ، بل عليه أن يفعل الخير ويحنث ويؤدى كفارة اليمين المذكورة في سورة المائدة ، في قوله تعالى :
لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ . . .
( 89 ) [ المائدة ] . وإن تفسير العرضة بمعنى المحاجز المعارض دون فعل الخير ، هو الأرجح كما نوهنا ، والإيمان حينئذ تفسر بأنها أفعال الخير المحلوف على الامتناع منها ؛ ووجه الترجيح من ناحيتين :
زهرة التفاسير — صفحة 743 | محمد أبو زهرة