تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 708

مساهمون:

ص٧٠٨
ولقد جاءت النصوص الصريحة بتحريم كل قمار ، وقد ورد أن رجلا قال : إن أكلت كذا وكذا بيضة فلك كذا ، فارتفعا إلى علىّ فقال : ذلك قمار ! . والميسر مضاره كثيرة ، فهو يؤدى إلى إتلاف المال وإهمال الأعمال ، وهو أكل لمال الناس بالباطل ، ويفسد الأخلاق ، وقد يترتب عليه خراب البيوت ، وهو فوق ذلك يصد عن ذكر الله وعن الصلاة ويورث العداوة والبغضاء ، كما قال تعالى :
إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ
( 91 ) [ المائدة ] . ومنافع الميسر ضئيلة أيضا بجوار مضاره ، ومنها إعطاء الفقراء ، كما يرى فيما تصنع جماعات الإحسان ، وأن الحكومات التي تعنى بتربية شعوبها وتهذيب نفوسهم تحارب انتشار القمار ، وتقطع السبل المؤدية إليه ، ولو كانت تبيحه في النوادي الخاصة فبعض الأمم الأوربية يحرم قانونها بيع أوراق اليانصيب ، ولو كانت للبر ؛ لأنها تربى في الشعب روح المقامرة ، مع أن هذه الأمم تبيح فتح النوادي للقمار ، فهي لا تمنع فتحها للحرية الشخصية في زعمها ، ولكنها تمنع ما يبعث في الشعب روح المقامرة . ويلاحظ في الكلمات السامية :
قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ
أنه أطلق الإثم ولم يضفه فلم يقل إثم على الناس أو للناس ، وقيد المنافع بأنها للناس ، وهذا يدل على أن الإثم في الخمر والميسر ذاتي ، فهما في ذاتهما رجس كبير ، وخطر وبيل ، وأن ما فيهما من منافع فهي ضئيلة وهي بالنسبة لبعض الناس ، فهي منافع إضافية ، لا منافع ذاتية ، فجوهر الخمر والميسر شر لا خير فيه ، وما يكون من نفع فيهما في بعض الملابسات ، كما يلاحظ في بيع الأوراق لتمويل بعض جماعات البر ، فليس ذلك لأن في الميسر خيرا أو نفعا ، بل لأن النفوس فسدت ، وشحت بالخير ، فلا تجود إلا من هذا الطريق الفاسد ، فما فيه من نفع إضافى سببه فساد الناس ، وهو نفع ضئيل للناس ومشتق من أحوالهم . وأما السؤال الثاني فقد جاء في قوله تعالى :
زهرة التفاسير — صفحة 708 | محمد أبو زهرة