وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ( 219 ) فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ،
ومناسبته للسؤال الأول أنهم كانوا يتخذون من الخمر والميسر طريقا لتسخية نفوس الأشحة على الخير الذين لا يجودون من تلقاء أنفسهم ، فكان السؤال عن الإنفاق على البر ، عقب السؤال عن الأمر الآثم الذي كانوا يحسبونه برا وهو إثم لا بر فيه . وفي الإجابة عن هذا السؤال بيان طريق العطاء المنظم المعلوم الخالي من الإثم ، بدل العطاء المجهول غير المنتظم للتأشب بالإثم الذي أحاط به . والعفو معناه : السهل ، أو الزائد فإن كلمة عفو لها ثلاثة إطلاقات أولها الترك ، كما قال تعالى :
عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ . . .
( 95 ) [ المائدة ] أي تركه وتجاوز عنه ، وبمعنى السهل ، كما قوله تعالى :
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ
( 199 ) [ الأعراف ] . وبمعنى الزيادة . والمعنى هنا السهل الزائد عن الحاجة . سألوا عما ينفقون من مال في البر ، فقال لنبيه
قُلِ الْعَفْوَ
أي السهل الزائد عن حاجتكم الأصلية الذي لا يشق عليكم بذله ، إن استقامت النفوس ، وامتلأت القلوب بالإيمان ، وعمرت بالرحمة وأجابت نداء الرحمن . والعفو يشمل الزكاة المفروضة ؛ لأنها ليست إلا فضلا قليلا من المال ، كما يشمل صدقة التطوع ، وكما يشمل الصدقات التي يتعين أداؤها إذا كان شخص في مخمصة ولا يدفع غائلة الجوع إلا شخص واحد يعرفه ، ولا يعرفه سواه ، فإنه يتعين عليه الأداء ، وأنه في وقت الحاجات يفيض الغنى على الفقير بكل ما يسد حاجته . ولقد روى عن أبي سعيد الخدري أنه قال : بينما نحن في سفر مع رسول الله صلى اللّه عليه وسلم إذ جاءه رجل على راحلة فجعل يصرف بصره يمينا وشمالا ، فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له ، ومن كان معه فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له » فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل « 1 » .
هامش
( 1 ) رواه مسلم : كتاب اللقطة ( 3258 ) واللفظ له ، وأبو داود : الزكاة ( 1416 ) ، وأحمد : باقي المكثرين ( 19863 ) .