تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 711

مساهمون:

ص٧١١
تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ . . .
( 152 ) [ الأنعام ] وقوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً
( 10 ) [ النساء ] فكانوا من أمرهم في حيرة : إن قاربوهم وأموالهم يخشون على أنفسهم أن ينالوا إثما ، وإن تركوهم ضاعوا وهم في كفالة المجتمع كله ، فأمر الله نبيه أن يقول لهم أن المطلوب إصلاحهم ، فقال سبحانه :
قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ
أي أن المطلوب إصلاحهم وإصلاح مالهم ، وذكر إصلاحهم ؛ لأنه المقصد الأول ، ولأن إصلاح مالهم إصلاح لهم ، وخير لكم ولهم ، وإصلاح حالهم بالتهذيب والتربية والعطف والمحبة ، والرأفة ، وعدم تكليفهم ما يشق عليهم ؛ لأن الغلظة معهم تربى فيهم الجفوة ، وتنشأ عنها القسوة ، فينشئون وهم يبغضون الناس ، ويتربصون بهم الدوائر . وقد أثبت علم النفس الجنائي أن روح الإجرام تنبعث عند النشأة الأولى في الغلمان الذين يحسون بأن المجتمع يجفوهم ، ويغلظ عليهم فيخافونه ويبغضونه ، ويترقبون الفرصة السانحة ليستلبوا المال أو الأرواح ، أو ما يمكنهم أن يصلوا إليه ، فكان لا بد من تربية اليتيم بالإصلاح والتهذيب ، وألا يقهر نفسه حتى لا يجفو فيكون من وراء ذلك الشر المستطير والخطر الكبير . وإذا كان المطلوب هو الإصلاح بكل وسائله ، وهو الغاية المطلوبة فإن كان الإصلاح بمخالطتهم وضمهم إليهم من غير أن تؤكل أموالهم ، فالمخالطة سائغة جائزة ؛ ولذا قال سبحانه :
وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ
أي عند المخالطة استشعروا أنهم إخوانكم في الدين والإنسانية وأبناء إخوانكم ، وعاملوهم بتلك الأخوة الرحيمة الرابطة ، ولا تنظروا إليهم شذرا ، وتؤكلوهم نزرا ، ؛ لأنهم غرباء عن بيتكم ، بل أشعروهم بأنهم دائما في بيت أهلهم وذويهم ، حتى لا تتربى نفوسهم على الجفوة فيبغضوا الناس ، ويتربصوا بهم الدوائر ، ويكون ذلك في طبعهم إذا كبروا وبلغوا أشدهم . .
زهرة التفاسير — صفحة 711 | محمد أبو زهرة