تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 702

مساهمون:

ص٧٠٢
الخليطين بحضرة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فلم ينكره عليه ، ولو كان ذلك يسمى خمرا من جهة لغة أو شرع لما أقره صلى اللّه عليه وسلم . وقد روى أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال في حجة الوداع ، وقد سئل عن الأشربة : « حرام الخمر بعينها والمسكر من كل شراب » . ومهما يكن من الاختلاف في تفسير كلمة خمر ، فقد اتفق الفقهاء على أن كل مادة من شأنها الإسكار تكون حراما وتأخذ حكم الخمر تماما ، وإنما موضع الخلاف هو في أن كل المسكرات داخلة في النهى بنص الآية أم داخلة بالقياس وبالحديث ؟ قال الجمهور الأول ، وقال الحنفية الثاني . وإن الأحاديث الصحيحة تثبت أن علة تحريم الخمر إسكارها أو تخديرها على حد تعبير العلماء اليوم ، فقد ورد أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « كل مسكر خمر وكل مسكر حرام » « 1 » ، وإذا توافرت هذه العلة في شراب كان حراما قليله وكثيره ؛ لأنه يكون حرام التناول في الكثير لذاته ، وفي القليل لسد الذريعة ، ولأنه إذا كان مسكرا فإنه لا يكون عند الأكثرين طاهرا ، ولأنه إذا كان مسكرا في ذاته فإن قليله مهما قل يكون مخدرا . وفي الحقيقة أن المسكر حرام ، لا لأنه مسكر فقط ، بل لأنه يميت الضمير ، أو يخفت صوت الوجدان الخلقي ، ويضعف صوت النفس اللوامة ، وإن ذلك يحدث في القليل والكثير ، ويحدث لكل الناس ، حتى أولئك الذين لا تظهر عليهم أمارات السكر من اضطراب القول واختلاط مظاهر التفكير . وتعجبني كلمة في هذا قالها الفيلسوف تولستوى فقد قال في كتابه الآفات الاجتماعية : ( إن النبي محمدا صلى اللّه عليه وسلم حرم الخمر لأنها تميت الوجدان أو تضعفه ) . والخمر كذلك حقيقة ، لأن الرجل يؤنبه ضميره على فعل ، فلا يتناول الكأس حتى يزول تأنيب الضمير ، والرجل يهم أن يقدم على الشر فيستيقظ وجدانه ، ويقف حائلا بينه وبين فعله ، فلا يلبث أن يتناول الكأس أو بعضه حتى تزول محاجزات الضمير ، ويندفع في الشر اندفاعا لا يقف في
هامش
( 1 ) رواه مسلم : كتاب الأشربة ( 3734 ) ، والترمذي ( 1784 ) ، والنسائي ( 5491 ) ، وأبو داود ( 3194 ) ، وأحمد ( 4416 ) .