بل أومأت إلى التحريم المؤقت أو المعلل بكونه لأجل الصلاة ، وإذا كان الترتيب في النزول لأجل التدرج في المنع ، فالمنطق يوجب أن يكون ما فيه إشارة إلى التحريم المطلق مؤخرا عما فيه إشارة إلى التحريم المؤقت ، والمعلل بكونه لأجل الصلاة .
وقبل أن نترك الكلام في آيات الخمر عامة إلى الكلام في هذه الآية الخاصة
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ
لا بد أن نشير إلى معنى خاص بالآية الأولى وهو قوله تعالى :
وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً . . .
( 67 ) [ النحل ] ، فقد فهم بعض الناس أنها تبيح الخمر ، ومن المقررات العلمية في الإسلام أن ما أباحه الله لا يرد نص صريح بإباحته بل يكون متروكا لا نص فيه بالإباحة ولا بالمنع ، ولذا يقول علماء الأصول أنه لا يكون مباحا ، بل يكون في مرتبة العفو لأن ما فيه من أسباب التحريم قائم ، ولكن لا نص يمنع ، فيكون محل عفو الله ، إذ لا عقوبة من غير نص ، فكيف تكون هذه الآية مشيرة بالإباحة ؟ والجواب عن ذلك أن ذا الفهم المستقيم لا يأخذ من الآية الأولى دلالة على الإباحة لا بالإشارة ولا بالعبارة ، بل إنها تدل على التحريم بالإشارة ، وإن لم تكن قريبة كالإشارة في قوله تعالى :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ
ووجه الإشارة إلى التحريم في تلك الآية أن الله سبحانه وتعالى يمن عليهم بنعمه وذكرها لهم ، فذكر أنه سبحانه وتعالى رزقهم ثمرات النخيل والأعناب فاتخذوا منه سكرا ، ورزقا حسنا ، أي أنهم أخذوا منه نوعين متقابلين : أحدهما مسكر والآخر شراب حسن وطعام جيد سماه رزقا حسنا ، فتسميته أحد النوعين بأنه رزق حسن معنى ذلك أن مقابله ليس رزقا حسنا ، بل هو استعمال سيئ لما أنعم الله به ، وفي ذلك بلا ريب إشارة إلى أنه مبغض غير مستحسن ، ولا يقر من يتخذه كذلك على ما يفعل ، فليس في هذه الآية إذن إشارة إلى الإباحة بل فيها إشارة إلى التحريم أو تصريح بعدم الاستحسان أو ما هو في حكم التصريح من حيث الدلالة اللغوية .
وبعد ذلك نتكلم عن حقيقة الخمر عند الفقهاء ، ثم نتكلم عما فيها من إثم ، وما فيها من نفع ، ووجه الكبر في إثمها والقلة في نفعها ، وقبل أن نخوض في كلام الفقهاء نذكر الاشتقاق اللغوي لكلمة الخمر :