سبيله واعظ من ضمير ، أو زاجر من نفس لائمة ، ويستوى في ذلك قليل الخمر وكثيره ، كما يستوى في ذلك من لا يسكر ومن يسكر من الشرب .
بعد هذا نشير في إلمامة موجزة إلى معنى قوله تعالى :
( فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ
وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما )
ولنبتدئ الآن ببيان إثم الخمر ثم نعقب على ذلك ببيان إثم الميسر .
الإثم في أصل معناه : اسم لكل فعل معوق مبطئ لا يوصل إلى الأغراض والنتائج ، ثم أطلق في لغة القرآن على أفعال الشر ؛ لأن الشر يعوق الإنسان عن الوصول إلى الغاية الإنسانية الكاملة ، ويبطئ عن الوصول إلى الثواب في الآخرة .
وقد تطلق كلمة إثم في لغة القرآن الكريم ويراد منه العذاب والعقاب ومن ذلك قوله تعالى :
. . . وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً
( 68 ) [ الفرقان ] .
والمراد من الإثم في الآية الكريمة ما يقابل النفع وهو الضرر . وفي الحقيقة أن الخمر فيها ضرر لا شك في ذلك ، وضررها أكبر من نفعها بلا ريب ، وحسبها ضررا أمران لا شك في وجودهما ، ولا ريب في أنهما يترتبان عليها :
أولهما - إضعاف صوت الضمير ، ولا شئ يضر في الاجتماع أكثر من صوت الضمير أو إضعافه ؛ لأن الخلق الاجتماعي الذي يترتب عليه الإلف ، والائتلاف بين الناس أساسه الحياء ، والإحساس بسلطان الجماعة لائمة ومهذبة ، وتبادل الشعور بينه وبين غيره ، ثم النفس اللوامة ، وإن الكأس تذهب بكل هذا :
تذهب بالحياء والحياء خير كله ، وإذا لم تستح فاصنع ما شئت ، ويندفع الشخص في مخالفة الجماعة غير هياب ولا وجل ، وكثيرا ما يكون القصد الأول من الشرب خرق حجاب الحياء ، لينطلق بالقول والفعل بما لا يليق .
وإن ذلك الأمر يعم كل شارب ، سواء أكان ممن تقرب سكرتهم ، أم كان ممن تبعد ، وسواء أكان المقدار قليلا ، أم كان كثيرا ، فلا يكاد يكون شارب بعد شربه في حيائه الذي كان عليه من قبل ، وفي قوة وجدانه وضميره التي كانت له قبل أن يتناول ذلك السم الخلقي الذي يفتك بالأخلاق والفضيلة ؛ ولذلك سميت الخمر بحق