تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 696

مساهمون:

ص٦٩٦
يلتهمها العدو الخارجي ، والإصلاح في هذه المسائل الثلاث يتناول حماية الأمة من أن تأكلها نيران العدو الداخلي ، وهو التنابذ ، وأن تنظر كل طائفة للأخرى نظر العدو المترصد ، لا نظر العضو المتعاون والأخ المتودد ، ولأن الوحدة الداخلية والاتحاد المكين عدة القتال ، وذخيرة الحرب ، فقوة الحرب تستمد من السلم ، ولأن مقصد الإسلام الأسمى هو إيجاد جماعة متآخية متحابة على أسس من الفضيلة والخلق الكريم ولكنه ما إن دعا بدعايته ، حتى خرج عليه إخوان الشيطان يحاولون أن يبيدوه وأن يقضوا عليه في مهده ، وفتن المسلمون في دينهم ، وعذبوا في إيمانهم عذابا شديدا فأذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ، وساروا على سنة الوجود ، وهو أن يدافعوا ذلك العدو المعتدى الذي يريد الفتك بهم ، حتى إذا دفعوه وأمنوا شره ، أو فلوا قوته ، وخضدوا شوكته ، اتجهوا إلى إقامة مدينتهم الفاضلة ، وإرساء قواعدها وحققوا بهذا القصد الأول ، ومكنوا لأنفسهم وأعدوا بالفضائل عدة أقوى لمنازلة الأعداء . وقد ابتدأ القرآن الكريم في إصلاح المجتمع الإسلامي بهذه المسائل والإجابة عنها ؛ لأنها هي التي تنفى الأذى وتدفع الخطر الاجتماعي ، ومن المقرر عند علماء الإسلام أن التخلية مقدمة على التحلية ، أي أن نفى الإثم مقدم على جلب النفع ، وأن دفع المفسدة مقدم على جلب المنفعة ، إذ إنه لا منفعة مع أن الفساد يشيع ، والداء يستشرى ، والأذى يستمكن ، ومثل الجماعة في علاجها من أدوائها ، كمثل الجسم الإنسانى في علاجه من أمراضه ، فإن الطبيب النطاسى « 1 » لا يبادر بتقوية الجسم ويترك الجراثيم تفتك به بل يجتهد أولا وبالذات في محاربة هذه الجراثيم والقضاء عليها ، ثم يقوى الجسم ، وإن عمد إلى التقوية في أثناء العلاج فلتقوى المقاومة ، ولتزداد الحصانة ، ولتشتد المناعة وغرضه الأول محاربة الآفات ، وكذلك الأمر في إصلاح الأمم : يبتدئ بإماطة الأذى الذي يفتك بها ، ثم يثنى بأعمال الإنشاء ، التي تقيم البناء .
هامش
( 1 ) نطاسىّ : عالم بالأمور حاذق بالطب وغيره . [ لسان العرب - نطس ] .