ومكنون المستقبل وأنتم لا تعلمون ، واللّه يعلم ما تكنه الصدور وما تخفيه وأنتم لا تعلمون ، واللّه يعلم ما تصلح به أمور الناس في الدنيا والآخرة وأنتم لا تعلمون ؛ وأنى يكون علم المخلوق كعلم الخالق ، وعلم الناقص كعلم الكامل ، وعلم القاصر كعلم اللطيف الخبير ! .
وقبل أن ننهى الكلام في تفسير هذه الآية نقرر أمرين :
أحدهما : أن قوله تعالى
وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ
هي قضية عامة في كل التكليفات الشرعية يجب أن نقر صاغرين بها ، وأن نقبلها طائعين ما دامت قد ثبتت بدليل قطعي لا شبهة فيه ، وألا نمكن أهواءنا من التحكم في أمور ديننا ، فعسى أن يكون ما نحب شرا ، وما نكره خيرا ؛ كما يجب ألا نتململ بأحكام الشارع بدعوى معارضتها للمصالح ، أو لروح العصر ، فقد يكون ذلك هوى لا مصلحة ، وفسادا ومضرة . وليس صلاحا ومنفعة ! .
ثانيهما : أن هذه الآية فيها فرضية القتال ؛ وظاهرها أنها تفرض الجهاد على جميع الناس القادرين عليه ، وقد قال بعض العلماء لهذا : إن الجهاد فرض عين على القادرين عليه ؛ ولقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات ميتة جاهلية » « 1 » وقال بعض العلماء : إن الجهاد فرض كفاية إذا قام به البعض سقط الحرج عن الباقين ؛ وقد قال الزهري : الجهاد واجب على كل أحد غزا أو قعد ، فالقاعد عليه إذا استعين أن يعين ، وإذا استغيث أن يغيث ، وإذا استنفر أن ينفر . وقد أجمع العلماء على أنه إذا نزل العدو بساحة البلاد وجب القتال على كل المسلمين ، كل بمقدار قدرته ؛ وقد ابتلى الله أكثر البلاد الإسلامية بالعدو نزل بساحتها ، فالجهاد حق على كل مسلم حتى لا يكون فيها عدو متحكم ، وتكون العزة لله ولرسوله ، وللمؤمنين .
هامش
( 1 ) رواه مسلم : الإمارة ( 3533 ) ، والترمذي : فضائل الجهاد ( 1589 ) ، والنسائي : الجهاد ( 3046 ) وأبو داود ( 2141 ) وأحمد في مسنده ( 8510 ) .