ذاته وعلى قراءة الفتح يكون فيه معنى الإكراه ، فيكون المعنى عليه : كتب عليكم القتال ، وهو أمر أنتم تلجئون إليه إلجاء ، وتضطرون إليه اضطرارا ؛ إذ إن الكره ضد الطوع ؛ فكأنكم لا تدخلون الحرب طائعين ، بل تدخلونها مكرهين كارهين ، مضطرين غير مختارين ، ألجأكم إليها الاعتداء عليكم ، وانتهاك الحرمات والفتنة في الدين ، فأنتم مضطرون مكرهون على القتال ؛ لإزالة الفتنة وصونا للحرمات ، وذودا عن الدين ؛ تقاتلون حتى يكون الدين كله لله .
والأمر على قراءة الفتح واضح ؛ لأن القتال في الإسلام أمر غير مرغوب فيه لذاته ، إنما اضطر إليه المسلمون اضطرارا ، كما قال تعالى :
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ
( 39 ) [ الحج ] .
وأما على القراءة المشهورة ، وهي قراءة ضم الكاف ، فكيف كان القتال مكروها ، مع أن الصحابة كان الموت في سبيل الله أحب إليهم ، وكانوا يرون الشهادة في سبيل الحق غنما وليست غرما ؟ .
لقد قال المفسرون : إن القتال مهما يكن أمره فيه ويلات وشدائد تتلوها شدائد ، ومشقات تتلوها مشتقات ؛ فلا يمكن أن يكون محبوبا مع ما فيه من صعاب ، ومع ما يكتنفه من شدائد ، فهو كان مكروها لشدائده ، والعافية أحب .
ولكن ذلك لا يتفق مع ما عرف عن العرب عامة من أنهم أهل بأس وقوة ، وعزيمة ونجدة ، ولا ما عرف عن أصحاب محمد خاصة من أنهم كانوا يتنافسون على أماكن الردى ، يلقون بأنفسهم في مواطن الموت ، لا يهمهم إلا أن يغنموا النصر أو يغنموا الشهادة ، ففي كليهما فضل عظيم .
ولذا لا بد أن نبحث عن سبب آخر للكراهة ؛ وذلك السبب هو الذي يتفق مع الهدى المحمدي ، والمنزع الإسلامي ؛ ذلك أن الإسلام أودع قلوب المؤمنين رأفة ورحمة ، وإلفا وائتلافا ، وسلاما واطمئنانا ، وبرا بالرحم ، وحنانا على الأقربين ؛ وتلك المبادئ لا تلتقى في قلب مع الحب في إزهاق الروح ، وقتل النفوس ، وإلقاء الحتوف في ميادين القتال ؛ فليس من خلق المؤمن المحب للسلام ، أن يكون محبا