تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 686

مساهمون:

ص٦٨٦
آخر ليلة من رجب ، ولم يستأنوا إلى أول شعبان حتى لا تفلت طلبتهم ، ولما جاءوا إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وقد علم أنهم قاتلوا في الشهر الحرام ، توقف وقال : « ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام » « 1 » . ويروى أن المشركين قالوا : قد استحل محمد الشهر الحرام ، فسفك فيه الدماء ، وقالوا لمن عندهم من المسلمين المستضعفين : يا معشر الصبأة استحللتم الشهر الحرام ، وقاتلتم فيه . وهذا الخبر يفيد فائدتين : أولاهما - أن تلك السرية قاتلت في الشهر الحرام جاهلة بدخوله ، أو مضطرة ، وكلتا الحالين تحمل العذر أو المسوغ . الثانية - إن قريشا عيرت المسلمين بذلك وأن النبي صلى اللّه عليه وسلم توقف عن التصرف حتى ينزل قرآن فنزل ، وعلى ذلك يصح أن يكون السؤال من المشركين ، وهو أوضح . ومهما يكن فإن القتال في الأشهر الحرم حرام في حال الاختيار والابتداء فلا يصح البدء بالغزو فيه . ولقد قال جابر : كان رسول الله صلى اللّه عليه وسلم لا يقاتل في الشهر الحرام إلا أن يغزى أو يغزو حتى إذا حضر ذلك أقام حتى ينسلخ « 2 » . ولقد قال بعض العلماء : إن تحريم القتال في الشهر الحرام منسوخ بقوله تعالى :
وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً . . .
( 36 ) [ التوبة ] ، وبقتال النبي صلى اللّه عليه وسلم أهل الطائف فيه ، ولكن قال عطاء : إنه لم ينسخ . والحقيقة إنه لم يثبت ناسخ صريح في النسخ فإن قوله تعالى :
وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً
العموم فيه بالنسبة للمقاتلين لا بالنسبة لزمان القتال ، وإن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يبتدئ قتالا في الشهر الحرام مختارا قط ، والتحريم في الاختيار والابتداء كما بينا لا في البقاء والاضطرار ؛ ولذا قال سبحانه :
فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ . . .
هامش
( 1 ) رواه البيهقي في السنن الكبرى ، ج 13 ص 210 عن جندب بن عبد الله ( 18109 ) ، وعن عروة بن الزبير ج 13 ص 316 ( 18362 ) . وانظر البداية والنهاية لابن كثير ج 4 ص 45 . ( 2 ) سبق تخريجه .