تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 682

مساهمون:

ص٦٨٢
للقتال ، ولعله كان من الصحابة من يؤثرون مطاولة المشركين ، رجاء إيمانهم ، ورغبة في هدايتهم ، مساوقا بذلك الهدى الإسلامي ؛ ولكن الله سبحانه وتعالى كتب القتال مع هذه الكراهة ، لأنه الأهدى سبيلا بعد أن قامت الحجة ، ووضحت المحجة ، واستطالوا على المؤمنين بالأذى ، وأخرجوهم من ديارهم ، وألبوا العرب عليهم ، وجمعوا الجموع .
وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ
أي عسى أن تكرهوا القتال رحمة بمخالفيكم ورجاء هدايتهم ، ورجاء الخير منهم ، وهم لا يريدون لكم إلا خبالا ، ولو سكتم عنهم لكان أمرهم وأمركم وبالا ، وفسدت أمورهم وأموركم ، واضطربت حالهم وحالكم ؛ فكانوا يغيرون عليكم ، وأنتم ساكتون ؛ ولو قاتلتموهم وأريتموهم الحق مؤيدا بالسلاح يقمع رؤوس المعاندين المعتدين الذين يفتنون الناس عن دينهم ويحاولون نشر الفساد ، لكان ذلك خيرا لكم ولهم . ووجه الخير لكم أنه رد الاعتداء ، ووقف الأعداء ، والذود عن الحياض ؛ وأما وجه الخير لهم فهو أنهم عساهم يهتدون ؛ فإن الناس أقسام ثلاثة في قبول الحق : نوع يقنعه الدليل ويهديه البرهان ، ونوع تجديه الموعظة الحسنة ، ونوع جائر بائر طاغ فاسد مفسد لا تجدى فيه الموعظة ولا يقنعه الدليل ، فقال الله فيه :
وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ . . .
( 25 ) [ الحديد ] فبقتاله قد يسكت عن الشر واللجاجة فيه ، ويتدبر الأمر من جديد ، كما قال أبو سفيان في غزوة : لو كانت آلهتنا تنفع وتضر لنفعتنا ! فكان ذلك هو السبيل لدخول الإيمان إلى قلبه ، فآمن وصار من المهتدين وإن لم يكن من السابقين بالقبول والإحسان . ثم عسى أن تحبوا الأمن والسلام وتؤثروا المحبة على الخصام ، وأعداؤكم يتربصون بكم الدوائر ، ويرتعون في الشر رتعا شديدا ، فلو تركتموهم وأمرهم لكان ذلك شرا لكم ، ولكانوا هم قوما بورا ، لا يرشدون ولا يسترشدون ؛ فمن الرحمة ما تحوى في نفسها أقسى الظلم ، ومن الرفق ما يشجع أشد العنف ؛ ولذا ذيل الله سبحانه وتعالى الآية بقوله :
وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
فالله يعلم مغيب الأمور
زهرة التفاسير — صفحة 682 | محمد أبو زهرة