فتتضاعف الكراهة ؛ إذ تجتمع الكراهة الذاتية ، والكراهة الإضافية لزمان القتال أو مكانه ، فبين الله سبحانه ما يطمئن قلوب المؤمنين ، وإن من يرد الاعتداء بر لا فاجر ، ولو اضطر إلى القتال في الشهر الحرام أو البيت الحرام ولذا قال سبحانه :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ .
الشهر الحرام - قد بيناه في تفسير قوله تعالى :
الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ . . .
( 194 ) [ البقرة ] . وإنه مفرد أريد به الجمع وإن الأشهر الحرم أربعة ، هي : رجب ، وذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ، وبينا البلاغة التي أدركناها في التعبير بالمفرد في معنى الجمع .
وقوله تعالى :
قِتالٍ فِيهِ
بدل اشتمال من الشهر الحرام ، قد وقعت كلمة قتال في موضع الجر على البدلية ، والمعنى : أن السؤال عن القتال في الشهر الحرام ، لا عن ذات الشهر ، وإنما ابتدأ بذكر الشهر لأنه موضع القداسة في نفوسهم ، ولأنه أساس التحريم ، فالقتال في ذاته لم يعد موضع تفكير ، بعد أن اطمأنت قلوبهم إلى أمر ربهم ، وأنه سبيل الدفاع عن نفوسهم ، إنما موضع السؤال هو القتال في تلك الأزمنة ، فابتدئ بذكرها ، لأنها الباعث على السؤال : وهو الذي سارع إلى الخاطر ، فكان الابتداء به مجاوبة للمسارعة الفكرية بالسبق البياني .
ومن هم الذين سألوا ؟ أهم المشركون ، فيكون السؤال تشنيعا ، أم هم المؤمنون فيكون السؤال تحرجا وتأثما من الوقوع ، أو ندما أن فرط ذلك منهم ؟ إن ذلك أمر لا يعرف إلا من صحيح الآثار .
لقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني ، والبيهقي في سننه بسند صحيح أن النبي صلى اللّه عليه وسلم بعث بعثا على رأسه عبد الله بن جحش ليتبع عيرا لقريش قبل غزوة بدر ، وكتب له كتابا ، وأمره ألا يقرأه حتى يبلغ مكان كذا ، وقال له : « لا تكرهن أحدا على السير معك » ، فلما قرأ الكتاب قال : سمعا وطاعة ، وخير أصحابه ، وقرأ عليهم الكتاب ، فرجع منهم اثنان وتبع العير فغنم غنائم وأسر أسيرين ، وكان ذلك في أول ليلة من رجب حسبوها آخر ليلة من جمادى ، وقيل في