المصرف فيها أسلوب حكيم ، وفيها إيجاز معجز ؛ لأنه قد بين بها موضع الصرف ، وإن لم يسألوا عنه ، وبين فيها المقدار ؛ لأن حاجة هؤلاء هي التي تعنيه ؛ وفيها بين النوع ، فإن كانوا محتاجين إلى ثياب يكسون ، وإن كانوا محتاجين إلى طعام يطعمون ، وإن كانوا محتاجين إلى مأوى يأوون . وفي هذه الإجابة فوق ذلك تصريح بحق هؤلاء على ذويهم وعلى المجتمع الذي يعيشون فيه ، وهو أن يمكنوا من العيش طاعمين كاسين آوين مطمئنين ؛ وأي مقدار ينفق في ذلك من حقهم على ذويهم وعلى الناس .
وإن ذلك الحق واجب على كل من عنده يسار بالنسبة لهم ، واليسار يفهم من قوله تعالى
ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ
فكلمة خير تطلق بالنسبة للمال على الوفير منه ، لا على القليل ؛ ومن ذلك قوله تعالى :
كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ . . .
( 180 ) [ البقرة ] فالخير هنا هو المال الوفير كالخير في تلك الآية الكريمة .
ذكر سبحانه أن موضع الإنفاق هم الوالدان ، والأقربون ، واليتامى ، والمساكين ، وأبناء السبيل ؛ ذكر هؤلاء بذلك الترتيب ؛ وإذا كان العطف بالواو لا يفيد ترتيبا من الناحية النحوية فمن المؤكد أن الترتيب في الذكر يفيد معنى الأولوية من الناحية البلاغية ؛ فالترتيب في الذكر إذن يشير بلا شك بأولوية البعض على البعض ، فيسد حاجة الأبوين ، ثم يسد حاجة الأقربين ؛ ثم يسد حاجة المحتاجين من غير أسرته .
وقد روى في سبب النزول عن عطاء : أن هذه الآية نزلت في رجل أتى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : إن لي دينارا ؛ فقال : « أنفقه على نفسك » قال : إن لي دينارين ، قال :
« أنفقهما على أهلك » قال : إن لي ثلاثة ، قال : « أنفقها على خادمك » قال : إن لي أربعة ، قال : « أنفقها على والديك » ، قال : إن لي خمسة قال : « أنفقها على قرابتك »