البغى واقع فيهم ، وإن لم يكونوا كلهم بغاة ، فيكفي أن يكون بعضهم باغيا ليقع الخلاف حول الكتاب ، بين طلاب الحق المهتدين ، والذين أركسوا في الباطل فلا ينطقون إلا تحت سلطانه ، ولا يعملون إلا تحت تأثيره .
والاختلاف في الكتاب يشمل الاختلاف في شأنه ما بين مصدقين بما جاء به ومكذبين ، ومذعنين لأحكامه ومخالفين ، ويشمل الاختلاف في أحكامه ما بين منفذين خاضعين ، وعصاة لها قد ارتضوا حكم الجاهلية بدل حكم الله ، ويشمل أيضا الاختلاف في تفسيره وتأويله ما بين راسخ في علم الكتاب يطلبه من أوجهه ، وبين زائغ القلب والبصيرة يتبع المتشابه ، أو يثير حوله الشبه ولو كان واضحا بين صريحا .
وكل هذا يدفع إليه البغى والعدوان ، ولا يعتمد على حجة من برهان ، وهو حجة كما قررنا على المختلفين ؛ لأنه بعد أن « أوتوه » أي أوتوا علم الكتاب مؤيدا بالبينات ، ولكن جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ، واستحكمت شهواتهم ، وسموها مصالح ومنافع ، وأرادوا أن يخضعوا نصوص الكتاب لها ، فضلوا ضلالا بعيدا .
فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ
أشار سبحانه في الجملة الكريمة السابقة إلى السبب في غواية الغاوين ، وإثارة الخلاف ، وهو البغى وتحكم الشهوات التي تدفع إليه ؛ وفي هذه الجملة الكريمة يبين موقف المهتدين ؛ ولذا قال سبحانه :
فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
والفاء هنا للإفصاح ، لأنها تفصح عن شرط مقدر ، إذ المعنى : إذا كان هذا شأن الظالمين فقد هدى الله الذين آمنوا . . إلى آخره .
وعبر بالذين آمنوا للإشارة إلى سبب هدايتهم للحق ، وهو الإيمان والإذعان ؛ فهم يؤمنون بالحق إذا جاءهم ، ويذعنون له ويخضعون ؛ وهم لاستقامة نفوسهم يتبعون النور الذي يكشف لهم الطريق ويسيرون فيه .
وأسندت الهداية إلى الله سبحانه وتعالى لأنه مقلب القلوب ، وهو علام الغيوب ، المسيطر على كل شيء . وللعبد إرادة أيضا ، فمن كان له قصد إلى الخير ، واتجاه إلى الفضيلة وسار في الطريق المستقيم ، قذف الله في قلبه بنور مشرق ، وسار