تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 666

مساهمون:

ص٦٦٦
أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ
( 13 ) [ الشورى ] . وكلمة
لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ
قرئت بضم الياء للبناء للمجهول ؛ وقال القرطبي إنها قراءة شاذة ؛ والمعنى عليها أن الكتاب مشتمل على ما يحكم به بين الناس فيما يختلفون فيه مما يتعلق بالدنيا والآخرة ، فهو المرجع الذي يدركون به الحق في ذاته إذا اختلفوا في العقائد أو الشرائع ، أو اليوم الآخر ؛ وهو الحكم العدل إذا اختلفوا في شؤون دنياهم ، ومآرب الحياة ، والمعنى على القراءة المشهورة « ليحكم » بفتح الياء للبناء المعلوم : أن القرآن هو الذي يحكم بين الناس ، فهو الفيصل في الخلاف ، وهو المصدر العلمي في كل شيء يتعلق بالدين ، وفيه الحكم العادل إلى يوم القيامة ، وإسناد الحكم إلى الكتاب للإشارة إلى وجوب الرجوع إليه عند كل اختلاف ، وللإشارة إلى ألا نحكم أهواءنا في فهم الكتاب وتأويله تأويلا بعيدا ليتفق مع رغباتنا ، أو ما يسميه البعض مصالحنا ، ولا مصلحة في غير ما جاء به النص المبين ، ولقد قال في هذا الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده ما نصه : الحكم مسند إلى الكتاب نفسه ؛ فالكتاب ذاته هو الذي يفصل بين الناس فيما اختلفوا فيه ، وفيه نداء للحاكمين بالكتاب أن يلزموا حكمه ولا يعدلوا عنه إلى ما تسوله الأنفس وتزينه الأهواء ؛ فإن الكتاب نفسه هو الحاكم وليس الحاكم في الحقيقة سواه ؛ ولو ساغ للناس أن يؤولوا نصا من نصوص الكتب على حسب ما تنزع إليه عقولهم ، بدون رجوع إلى بقية النصوص ، وبناء التأويل على ما يؤخذ من جميعها جملة - لما كان لإنزال الكتب فائدة ولما كانت الكتب في الحقيقة حاكمة ، بل تتحكم فيها الأهواء ، وتذهب النفوس منازع شتى ، فينضم إلى الاختلاف في المنابع اختلاف آخر جديد ، وهو الاختلاف في ضروب التأويل ، وبناء كل واحد حكما على ما نزع إليه ، فتعود المصلحة مفسدة ، وينقلب الدواء علة ! ولهذا رد الله تعالى الحكم إلى الكتاب نفسه لا إلى هوى الحاكم به . . ونسبة الحكم إلى الكتاب كنسبة النطق