تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 668

مساهمون:

ص٦٦٨
الضمير في « فيه » وفي « أوتوه » إما أن نجعله يعود إلى الحق ، وإما أن نجعله يعود إلى الكتاب ، وكلاهما مذكور ، وله وجه ؛ فإن كان الضمير يعود إلى الحق ، فالمعنى على ذلك : إن الذين يختلفون في شأن الحق ، اختلافهم ظلم ، هم مأخوذون به معاقبون عليه ، فليس الاختلاف مبنيا على جهالة كالاختلاف قبل نزول الكتاب ، بل هو ترك للحق عن بينة ؛ لأنهم أوتوا الحق أي أوتوا العلم به ، فليسوا جاهلين كشأنهم الأول ؛ ولأنهم علموا الحق ببينات جاءتهم ؛ ولذا قال سبحانه :
مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ
أي من بعد ما جاءتهم الحجج البينة المثبتة له التي يدركها كل إنسان إلا من ران الله على قلبه ؛ ولأن البغى أي الظلم الشديد هو الذي يدفعهم إلى ذلك الاختلاف . ولو جعلنا الضمير يعود على الكتاب ، يكون المعنى أن الاختلاف يكون حول الكتاب الذي هو بيان الحق ونوره ؛ وذلك لأن الذين في قلوبهم مرض ، وعلى أعينهم غشاوة ، تبعث الرسل إليهم لهدايتهم بكتب فيها الحق والميزان فيجعلون تلك الكتب موضع الجدل والاختلاف ولكنه ليس كخلافهم قبل البعث ؛ لأن الخلاف الأول عن جهل ففيه العذر ، أما الخلاف الثاني فلا عذر فيه ؛ لأنه خلاف بعد أن أوتوا علم الكتاب ، وما اشتمل عليه ، وبعد أن جاءتهم البينات والدلائل على الصدق . ولقد ذكر سبحانه الباعث على الخلاف بعد نزول الكتب المقدسة بالحق المبين المؤيد بالأدلة القاطعة ، فقال سبحانه :
بَغْياً بَيْنَهُمْ
والبغى معناه طلب الشيء متجاوزا حد الاقتصاد . وقال الراغب الأصفهاني : البغى على ضربين : محمود وهو تجاوز العدل إلى الإحسان ، والفرض إلى التطوع ؛ والثاني مذموم ، وهو تجاوز الحق إلى الباطل . وأكثر ما يكون البغى في الثاني ، وهو المراد هنا ، أي أن الباعث على الخلاف في الكتاب بعد نزوله مؤيدا بالحجج الدامغة والأدلة القاطعة هو الشهوات المستحكمة التي تدفع النفوس إلى مجاوزة الحد في الطلب ، وقال سبحانه :
بَغْياً بَيْنَهُمْ
أي أن