ولا شك أن العاقبة للخير ؛ لأن الله هو الذي أمر به ؛ فإذا كان الناس فيهم الفجار والأبرار ، وأن في نفس كل امرئ استعدادا للفجور والتقوى ؛ فالله سبحانه قد دعا إلى الخير ، وحث عليه ، وهو غالب على أمره ، وهو لا بد ناصر للخير ، هازم للشر ، والعاقبة للمتقين ؛ ولكن النصر يكون على مقتضى تدبير محكم ، وصبر على البلاء ، وعدم استنامة إلى الرخاء .
فلا ينتصر الخير على الشر إلا بشدائد ومكاره تنزل بالأخيار ويتغلبون عليها بعد مغالبتها ، ومغالبة الأشرار معها ؛ ولذلك أردف الله سبحانه وتعالى الآية الدالة على اتفاق الناس واختلافهم ، بالآيات الدالة على الشدائد النازلة بالأخيار وأتباع النبيين ؛ فقال سبحانه :
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ
. . إلخ .
في هذه الآيات إذن يبين الله سبحانه وتعالى ما ينزل بالأخيار في سبيل الاستمساك بالحق والدفاع عنه ، وكيف يغالبون المحن التي تنزل بهم ، والأعداء الذين يحيطون بدولتهم ؛ ولقد وصف سبحانه وتعالى أولا البلاء في الداخل والخارج ، ثم وصف علاجه في الداخل بالبر والإنفاق ثم وصف علاجه في الخارج ، بالمقاومة وحمل السيف عند الاضطرار .
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا
في هذه الجملة السامية بين الله سبحانه وتعالى أن طريق الجنة محفوف بالشدائد ؛ كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « حفت الجنة بالمكاره ، وحفت النار بالشهوات » « 1 » وأن نعيم الجنة مرتقى عظيم ، لا يرتفع إليه إلا المجاهدون ؛ وأنه كلما عظمت الشدة وطالت المدة كان الخير أعظم ، ومعه رضوان الله وهو أكبر ، وأن البلاء منوع مختلف ؛ فهو بالبأساء وهي الشدائد والمكاره التي تكون من خارج الجسم ، كحرب ضروس ، أو خطر داهم ؛ والبلاء قد يكون بالضراء ، وهي الآلام والشدائد التي تحل بالجسم ، كجراح شديدة ، أو أمراض ممضة ، أو آلام نفسية مزعجة وإن هذه الآلام قد تزعجهم وتشتد عليهم ، وتصير كالزلازل تهز نفوسهم هزا عنيفا ؛ كما يهز الزلزال
هامش
( 1 ) رواه مسلم : صفة الجنة ( 5049 ) ، والترمذي ( 2482 ) ، وأحمد في مسنده ( 12101 ) ، والدارمي في الرقاق ( 2720 ) عن أنس بن مالك رضي الله عنه .