تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 664

مساهمون:

ص٦٦٤
ثم إن نفس كل إنسان فيها نزوع إلى الاجتماع ، واستعانة بعضهم ببعض ؛ وحيث كان الاجتماع لا بد من نظام يربط ، وشرع يحكم ، وعقاب يردع ؛ وإلا أكل القوى الضعيف ، كما يأكل كبار السمك صغارها عند اجتماعها ، وكما تفترس السبع الأوابد من يكون أضعف منها . وعلى هذا تكون الفاء في قوله تعالى :
فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ
للترتيب والتعقيب في موضعها من غير حاجة إلى التقدير ؛ لأن كون الناس أمة واحدة اقتضت الرسالة واقتضت الاختلاف ، فكان لا بد من شرائع السماء لتبخع الشهوات ، ولتقضى على الخلاف ، ولتهدى الناس وتنقذهم من الضلال . ولأن اتحاد الفطرة واتحاد الغرائز ، واندفاعها إن لم يكن لها عاصم من شرع زاجر وعقاب مانع ، يجعل الناس يتناحرون ويتنابذون فلا بد من حكم صالح بين الناس ، فكان ذلك الحكم من السماء . « وكان » على هذا التأويل تكون دالة على الاستمرار والثبوت ؛ لأن الناس بمقتضى فطرهم دائما في حاجة إلى شرع من السماء ، لا يهتدون إلا به ، ولا ينير السبيل لهم شئ سواه ؛ وإنه مهما تعل العقول فلن تقوى على التهذيب من تلقاء نفسها ؛ بل لا بد من دين قد اشتمل على الترغيب والترهيب من بارئ الكون ومنشئ الخلق ، الذي خلق الإنسان وهداه النجدين : طريق الخير ، وطريق الشر . واعتبر بما ترى بالمدنية الحاضرة ؛ فقد علت العقول عند أهلها ، حتى استخرجوا كنوز الأرض ، وتعرفوا على كثير من نواميس الوجود ، ولكنهم يأكل بعضهم بعضا لهجرهم الأديان ، وعدم وجود داع ينادى بينهم باسم القرآن . وقد يقول قائل : إن جعل « كان » للاستمرار ، يفيد أن وحدة الناس في الفطرة وتأديها إلى التناحر يقتضى بعث النبيين إلى يوم القيامة ، وإنه لا بد من نبي لعصرنا ؛ ونحن نسلم بالاعتراض ، ولا ندفع إيراده ، ونقول : نعم إنه لا بد من قيام رسالة إلى يوم القيامة ، وتلك الرسالة قائمة إلى يوم القيامة ؛ وهي رسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم التي جاءت بكتاب تتجدد به الرسالة والبعث إلى أن تفنى الأرض ومن عليها ، وذلك