ويصح أن نقول : إن « كان » تدل على الاستمرار ، ويكون المعنى أن الناس كانوا وما زالوا أمة واحدة مهديين بمقتضى الفطرة ، ولكنهم يضلون أنفسهم ، فبعث النبيون ليكونوا حجة على الناس ، وليكون الجزاء من عقاب وثواب ، وليتحمل كل امرئ عاقبة ما صنع بالتبليغ .
القول الثاني - أن الناس كانوا أمة واحدة من حيث إنهم كانوا ضالين ، فبعث الله الأنبياء لهدايتهم ، ولإنقاذهم من حيرتهم ، وليكونوا حجة عليهم ، ولتترتب تبعات الأعمال ، من عقاب وثواب ، وذلك بالإنذار والتبشير .
« وكان » على هذا التخريج تكون للماضى واضحة المعنى ، بينة ، ولا حاجة إلى تقدير كلام محذوف .
القول الثالث - وهو قول القرطبي ، إذ يقول في أحكام القرآن : المراد الإخبار عن الناس الذين هم الجنس كله أنهم أمة واحدة في خلوهم عن الشرائع ، وجهلهم بالحقائق ، لولا منّ الله عليهم ، وتفضله بإرسال الرسل إليهم ؛ فلا تختص « كان » على هذا التأويل بالمضي فقط . بل معناه معنى قوله تعالى
وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً
( 70 ) [ الفرقان ] .
وإن هذا هو الذي نختاره « 1 » وعلى هذا التأويل لا يكون ثمة حاجة إلى تقدير محذوف ؛ لأن ذات حالهم من كونهم لا علم لهم بالشرائع ، ولا تهتدى عقولهم إلى الحقائق بنفسها ، توجب البعث ؛ ولأن تلك الحال التي تكون على الفطرة وحدها توجب الاختلاف فتوجب بعث النبيين ؛ وذلك لأن النفوس إن تركت لمقتضى جبلتها من غير شرع مبين ، ولا كتاب يحكم ، تكون بين نفس غلبت عليها شقوتها ؛ وبين نفس ضالة حائرة ، تدفعها الغرائز إلى الشهوات دفعا ، فيكون التناحر والتنابذ ؛ ولا بد حينئذ من حاكم يقضى ، ويقدع النفوس عن شهواتها .
هامش
( 1 ) قال المصنف - رحمه الله - : وهو عين ما اختاره الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده ، وقد استفاض في توجيهه ، وحرره بقلمه البليغ رضي الله عنه ، فارجع إليه .