* وأول البر وسنامه وأصله الإيمان ، وهو التصديق والإذعان ، وأول من يجب الإيمان به الله ، فالإيمان به هو لب الإيمان كله ، وهو الخضوع والإذعان والعبادة له وحده لا شريك له ، وامتلاء النفس بذكره ، بحيث لا تذكر غيره في الغدو والآصال ، وفي الصحو ، وفي المنام ، ومن الإيمان بالله تعالى الإيمان بأنه وحده الخالق للوجود ، والإيمان بأنه وحده الموصوف بصفات الكمال ، والإيمان بأنه وحده المستحق للعبادة ، فليس في الوجود من يستحق العبادة سواه .
والإيمان باليوم الآخر ، ويشمل الإيمان بالبعث والنشور ، والإيمان بيوم القيامة ، وما يجرى فيه من حساب وعقاب وثواب ، وأن من أحسن فله النعيم المقيم ، ورضوان من الله أكبر ، وأن من خالف وغير وبدل فجزاؤه جهنم ، وبئس المصير ، وإن ذلك كله مادي حسى ، وليس روحيا كما توهم بعض الكاتبين .
وكان الإيمان باليوم الآخر تاليا للإيمان بالله تعالى ؛ لأنه تصديق لما أمر الله به ، ولأنه سلوان المحسن العابد وإنذار للمشرك المكذب ، والمعاند المستكبر الجاحد ، وقد تبين له الحق .
ثم يلي الإيمان باليوم الآخر ، الإيمان بالملائكة الأخيار الأطهار الذين لا يعصون الله ما أمرهم ، ويفعلون ما يؤمرون ، وهو إيمان بالغيب الذي لا يرى ولا يحس ، وأول شعار المؤمن الإيمان ، وهو الفيصل بين المسلم والزنديق ، فالزنديق أو الملحد في دين الله تعالى لا يؤمن إلا بالمحسوس ، ولا يصدق ما لا يرى ويحس ، والمؤمن يعلم أن وراء المحسوس سرا خفيا ، وقد أمرنا الله تعالى بالإيمان فحق علينا أن نؤمن بوجودهم ، وهم مذكورون في كتابه الكريم ، وفي الكتب التي صدقها ، فالكفر بهم كفر بالله وبالقرآن ، وذكر الله بعد ذلك الإيمان بالكتاب ، وهو القرآن الكريم ، والإيمان تصديق بكل ما جاء به ويدخل في ذلك الإيمان بالكتب السابقة ؛ لأنه سجلها في قصصه ، فهو سجل النبوة كله ، فيه ذكر كتبها ، وفيه بيان معجزات النبيين ، فلولا قصصه الحكم الصادق ما عرف كتاب من كتب النبيين ، ولا معجزة من معجزاتهم .
زهرة التفاسير — صفحة 519
مساهمون: محمد أبو زهرة
ص٥١٩