ويدخل في ذلك ما ذبح على النصب التي كانت تقام للأوثان وتذبح الذبائح عليها .
وقد بين سبحانه وتعالى أن ذلك عند الاختيار ، وأما عند الاضطرار فإنها يرفع عنها الإثم ؛ ولذا قال تعالى :
فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ
أي من كان في حال ضرورة ، بحيث تتعرض الحياة للهلاك إذا لم يأكل شيئا من هذه المحرمات ، فإنه لا إثم عليه إذا أكل ، ويكون واجبا عليه أن يأكل إن لم يجد غيرها ؛ لأن ضرر الموت أشد من ضرر الأكل ، والضرر القليل يتحمل في سبيل دفع الضرر الكبير ، ولقد بين النبي صلى اللّه عليه وسلم حال الضرورة لمن سأله عن ذلك ، فقال : « أن يأتي الصبوح والغبوق ولا تجد ما تأكله » « 1 » ، ولقد قال تعالى :
فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
( 3 ) [ المائدة ] .
ولقد قيد الله تعالى رفع الإثم ، فقال تعالت كلماته :
غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ
أي غير طالب لها تبتغى إشباع رغبتك ، كأن يكون في عطش شديد ولم يجد إلا خمرا ، فيشربها مبتغيا لها لا يقصد دفع الضرورة ولكن يرغب فيها ، وكمن يكون في حال ضرورة فيكون بين يديه الميتة والخنزير فيبتغى الخنزير اشتهاء له ورغبة فيه ، ولا عاد أي غير متجاوز حد الضرورة ، والضرورة تدفع بأقل قدر فلا يتجاوزه ، فيتعدى ما رفع الله تعالى الإثم عنه .
وروى عن مجاهد وابن جبير أنهما قالا في معنى باغ وعاد ، غير باغ على المسلمين ولا عاد عليهم ، فيدخل في الباغي والعادي الخارج على السلطان العادل وقاطع الطريق ، وبهذا أخذ الشافعي في أحد قوليه فمن كان مضطرا للطعام ولا يجد
هامش
( 1 ) عن أبي واقد الليثي قال : قلت : يا رسول الله ، إنا بأرض تصيبنا بها مخمصة ، فما يحل لنا من الميتة ؟ قال :
« إذا لم تصطبحوا ، ولم تغتبقوا ، ولم تحتفئوا بقلا فشأنكم بها » . زواه أحمد في مسند الأنصار ( 20 893 ) ، والدارمي في الأضاحي ( 1912 ) والحاكم في المستدرك ( 7234 ) وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه .
والمخمصة : المجاعة والشدة ، والصّبوح : شرب أول النهار ، والغبوق : شرب آخر النهار ، أي اللبن ، ثم توسعوا فأطلقوه على الطعام أول النهار وآخره ، وهو مقصود الحديث ، وتحتفئوا ، تقتلعوا فتأكلوا .