تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 513

مساهمون:

ص٥١٣
التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ . . .
( 157 ) [ الأعراف ] . وكان من المناسب ذكر كتمانهم ، والقرآن الكريم يبين الطيبات التي أحلها ، والخبائث التي حرمها ، والأغلال التي رفعها ، وقد كتموا أمر محمد صلى اللّه عليه وسلم ورسالته . وقوله تعالى :
وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً
معناه يقدمونه في نظير قليل ، وعبر سبحانه بقوله تعالى :
وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا
لأن المشترى طالب لمقابل المبيع ، فهم يتركونها طالبين ثمنها راغبين ، وهو مهما يكن مقداره قليل ، فهم يستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ، والثمن هو استعلاء واستكبار عن الاتباع ، وإنكار وجحود ، وعرض من أعراض الدنيا وقد بين الله تعالى سوء فعلتهم في الدنيا ، وعذابهم في الآخرة ، فقال تعالى :
أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ
. الإشارة إلى الذين يكتمون ما أنزل الله في الكتاب الحق ، وتركوا الواجب في نظير قليل بالنسبة لما تركوه فهو زهيد مهما يكن مقداره بجوار الحق الذي باعوه ، فقد باعوا غاليا بما لا يكافئه مهما يكن قدره ، الإشارة إلى هؤلاء الذين اتصفوا بذلك ، والإشارة إلى الموصوف بصفة يبين أن سبب الحكم هو هذه الصفة . وقد حكم الله تعالى عليهم بأربعة أحكام : أولها أنهم ما يأكلون من الثمن الذي أخذوه إلا النار تلهب بطونهم ، وقوله
ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ
مجاز فيه عبر عن حالهم بالمآل الذين يئولون إليه ، فعبر سبحانه عن حالهم في الثمن الذي أخذوه شرها ، طمعا وإيثارا للباطل ، وتركا للحق بأنهم أكلوا نارا ، نزلت في بطونهم وألهبتها ومزقت لحومهم ، واختار التعبير بكون النار في بطونهم ؛ لأن المال الباطل يطلب لأجل شهوة البطن وملذاتها والتعبير عن الجزء وإرادة الكل إذ المراد أن النار تعمهم ، وتشمل كل أجزائهم ، ولكن عبر بالجزء ؛ لأن ذلك الجزء له مزيد من الاختصاص ؛ لأن شهوتهم وشرههم هو الذي جعلهم يختارون ذلك الثمن الحقير وإن كان كبيرا فإن الذي تركوه من الحق أكبر وأعظم وهو الحق الذي كتموه .
زهرة التفاسير — صفحة 513 | محمد أبو زهرة