أعظم القربات بعد تقوى الله ، طلب الطيبات الحلال . وقد روى مسلم أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن الله ليرضى من العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها » « 1 » .
ولقد أردف الله سبحانه وتعالى الأمر بالأكل من الطيبات بالأمر بالشكر ؛ لأن هذه الإباحة للطيبات نعمة ، والنعمة توجب الشكر من المنعم ، الذي أباح ومكن ، والشكر يكون بترك المعاصي ولزوم الطاعات والتقوى والتقرب إليه سبحانه وتعالى ، وطلب رضوانه ، ويقول سبحانه :
لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ . . .
( 7 ) [ إبراهيم ] ، ولقد قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر » « 2 » .
وإن هذه المباحات نعم الله تعالى في هذه الدنيا يسأل عن حقها وعن شكرها ، فقد قال تعالى :
ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ
( 8 ) [ التكاثر ] وإن الشكر هو الطاعات الكاملة ، والعمل الصالح ، وإن ذلك شريعة الرسائل الإلهية كما قال تعالى :
يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ
( 51 ) [ المؤمنون ] .
وقوله تعالى :
كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ
أضيفت الطيبات ، وهي إضافة تشير إلى المصدر ، وهو إنعام المنعم ؛ لأن الطيبات مما رزق الله تعالى ، ومما تمكن عباده منه ، فكان هنا نعمتان أنعم الله تعالى بهما ، وهما : نعمة الرزق والعطاء ، ونعمة الإباحة للطيبات ، وكان الشكر على النعمتين واجبا .
ولذا قال تعالى :
وَاشْكُرُوا لِلَّهِ
أي اشكروا الله ، وقد بينا أن « شكر » تتعدى باللام ، وهو الأفصح ، وتتعدى بنفسها ، وإن الشكر ملازم للعبادة أو هو منها ، أو
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم : كتاب الدعاء ( 4915 ) والترمذي في الأطعمة ( 1738 ) وأحمد في مسنده ( 11535 ) عن أنس بن مالك رضي الله عنه .
( 2 ) ذكره البخاري تعليقا في كتاب الأطعمة - ترجمة باب الطاعم الشاكر ، ورواه الترمذي : كتاب صفة القيامة ( 2410 ) ، وابن ماجة : كتاب الصيام ( 1754 ) ، ومن طريق عند أحمد بسند منقطع ( 7473 ) كلهم عن أبي هريرة رضي الله عنه .