إلا بعض هذه المحرمات وكان خارجا في معصية فإنه لا يترخص له في أكل واحد من هذه المحرمات ؛ لأن وقوع الضرورة بسبب معصية ، والمعصية لا تحل المحرم .
وأبو حنيفة ومالك وأحمد ، والرأي الثاني عند الشافعي أن الرخصة قائمة وسببها ليس هو المعصية أو غير المعصية ، وإنما سببها الاضطرار والخشية من الهلاك والمعصية في قتل النفس أشد من المعصية في الخروج على الأحكام ؛ ولأن الجهة منفكة ؛ فرفع الإثم لدفع الجوع والظلم في العصيان فلا خلط بينهما ، ومن المقررات أن الظالم في معصية لا يحرم من حقوقه في ناحية أخرى ، وإلا كان ظلما والظالم لا يظلم ، ولكن يقتص منه في موضع ظلمه ، هذا وإن الرخصة نتيجتها أن يرفع الإثم لا أن تباح الميتة وأخواتها ، ولكن قرروا أنه في حال الضرورة هذا يكون الأكل مطلوبا طلبا حتميا بحيث يأثم إن لم يأكل ، لأن عدم الأخذ بالرخصة قتل للنفس والله تعالى يقول :
وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً
( 29 ) [ النساء ] .
ولقد ختم الله تعالى النص الكريم بقوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
.
هذا النص السامي فيه تسجيل لرحمة الله تعالى ، ولغفرانه في الدنيا والآخرة ما يرتكب إن كان بقصد حفظ النفس من التلف ، وكان من غفرانه أن رفع الإثم وسببه قائم عن المضطر إلى أكل المحرمات ، وكان من رحمته أن أباح هذه الطيبات ، وإن حرم الخبائث ، فتحريم الخبائث لإضرارها ، وإباحة الطيبات لنفعها من رحمته سبحانه ، إذ إن الشريعة الغراء قامت على جلب ما هو نافع ودفع ما هو ضار ، وكان من رحمته جلت قدرته أن رفع الإثم عند الاضطرار .
وقبل أن ننتقل إلى آياته البينات نقرر أمرين . أولهما : ما قرره بعض العلماء ذوى النظر الثاقب أن الجوع الشديد يجعل الجسم يستطيع تناول هذه الخبائث الضارة إذ الجوع يذهب بأضرارها ، أو لا يجعلها تؤثر بالأذى في الجسم ما دام لا يتعدى حد الضرورة ، فإن تعداها كان الضرر المؤكد من هذه الخبائث . الثاني : إن هذه المحرمات إنما هي في حيوانات البر والنعم كما قررنا ، أما صيد البحر فإنه حلال كما قال تعالى :
أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً . . .
( 96 ) [ المائدة ] . جعل الله طعامنا حلالا طيبا ، وهنيئا مريئا .