وبعد تدبيرها يفترق الشجاع عن الجبان ، فالجبان لا يقدم والشجاع مقدم مقدرا النواحي المخوفة ، والنواحي التي فيها جانب الله تعالى فيقدم على بينة ، وقد حقق الذين درسوا النفوس فقرروا أن الشجاعة لا تكون شجاعة إلا إذا أحس بخطورة الأمر وأقدم غير هياب ، وإن المؤمنين قد أصيبوا بما من شأنه أن يخيف ولكن لم يجبنوا عن اللقاء ، بل أقدموا عليه في غير تلكؤ ولا اضطراب .
هذا شأن الخوف ، ثم قال تعالى :
وَالْجُوعِ
فقد أصيبوا بشيء غير قليل من الجوع ، وقد كانوا يربطون الأحجار على بطونهم .
كما كانوا يفعلون في حفر الخندق ،
وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ
، فإنه في الحروب يتوقف اشتغال المؤمنين بالتجارة وغيرها ، فهل كان أبو بكر التاجر تجرى متاجره ، والحروب قائمة ؟ وهل كان عثمان ذو النورين تستمر متاجره غادية رائحة والحرب قائمة بين الشرك وأهل التوحيد .
وَالْأَنْفُسِ
؛ فإن ملحمة الحرب يكون فيها الشهداء ، وقتل الأبطال .
وَالثَّمَراتِ
وقد أصيب الأنصار في المعارك وقد خرجوا للجهاد فلم يسقوا زرعهم ولم يرعوا ثمرات نخيلهم فنقصت ثمارها .
ذكر الله تعالى ذلك الابتلاء قبل وقوعه ، وكانوا على مقربة منه ؛ لأن ذلك كان قبيل غزوة بدر الكبرى ، فذكر الله تعالى ذلك ليتوقعوه قبل أن يقع فيعدوا له الأنفس بالصبر ، وضبط النفس ، والاستعانة بقوى النفس في الجهاد وتحمل الأذى من الحرب ، فقد كتب عليكم القتال ، وهو كره لكم ، ولكنه خير في نتيجته ما دام ردا للاعتداء ومنعا للفتنة وفتحا لطريق الدعوة .
ولذا قال تعالى :
وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ
والبشارة هي النصر الكامل ، وذكر أن المبشّرين هم الصابرون ، فالوصف علة للحكم فكانت البشارة بالنصر بسبب الصبر ؛ لأن الصبر عدة النصر ، كما قال على رضي الله عنه بطل الحرب الإسلامية : كنا ننصر بالصبر والتأييد .
وإن الصابرين هم الذين يضبطون أنفسهم فلا تنخلع قلوبهم بفزع ، ولا يصيبهم عندما يفاجئون بما لا يحبون ؛ ولذا عرفهم الله بقوله :
الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ
.