وقوله تعالى :
إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ
، أي جهلها في حمق ورعونة ؛ لأن النفس الإنسانية المستقيمة تتجه إلى الله لما في داخلها من ينبوع الخير الداعي إلى إدراك الحق المستقيم ، ولأن كل ما في النفس من عقل مدرك ، ويد تبطش وعين تبصر وأذن تسمع ورجل تسير بها كلها يدل على الإيمان الحق ويهدى ، كما قال في الذين يضلون إذ ينسون خلقهم وكونهم ، فيقول :
وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ . . .
( 179 ) [ الأعراف ] . فالنفس الإنسانية لو تأملنا خلقها وتكوينها تهدى وترشد إلى الحق ، ولقد قال تعالى :
وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ ( 21 ) وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ
( 22 ) [ الذاريات ] .
وقوله تعالى :
إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ
، أي جهلها عن سفه وحمق ورعونة كما ذكرنا ، والفرق بين جهل النفس ، وأن يكون قد سفهها أن الجهل قد يكون عدم علم وعدم اهتداء إلى الحق ، وألا يكون عنده أدوات العلم وطرق المعرفة ، أما السفه فمعناه أن يجهل وعنده طرق المعرفة ، وأسبابها ويتركها حمقا ورعونة ، ولقد قال تعالى :
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ . . .
( 19 ) [ الحشر ] وسفه نفسه ، قيل إنها بمعنى سفّه بتشديد الفاء بمعنى أوقعها في جهل وسلك بها غير ما تهدى إليه الفطرة .
وإن ملة إبراهيم هي ملة النبيين فقد قال تعالى :
فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
( 95 ) [ آل عمران ] وقال تعالى في سورة الحج :
وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ . . .
( 78 ) [ الحج ] .
وإن ملة إبراهيم كانت ملة النبيين ؛ لأن الله تعالى اختاره للإمامة ، وابتلاه بالكلمات ، ولأنه كان يشكر نعم ربه ، ولأنه اختاره لبناء البيت ، ولأنه اختاره لتعليم مناسك الحج ، ولأنه اختاره ليكون أبا الأنبياء ؛ ولذلك كله قال تعالى :
وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ
وقال تعالى في آية أخرى :
شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
( 121 ) [ النحل ] .